Iraq
This article was added by the user . TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

مُخْتَارَات : لِويسْ كَانْ

وفي هذة الحلقة نتناول سيرة المعمار "لِويسْ كَانْ" (1901 – 1974) Louis I. Kahn وبما صرح به من أقوال، مع نشر احد اعماله المميزة.

.. هل لازلتم تذكرون "لِويسْ كَانْ": المعمار المتفرد والاستثنائي في طروحاته المعمارية، هو الذي قرن العمارة بالفلسفة، والعملي بالتنظيري، وسعى وراء البحث عن كنه العمارة وجوهرها (..وماهيتها ايضاً!) لجهة تحقيق معاني الخلود المعماري وبقائه؟ انه، ايضاً، المعمار الذي اراه محباً للعمارة الاسلامية وأحد "مأوليها" الكبار. فهل اسمه ما فتئ غائباً عنكم؟ لقد مرّت فترة طويلة عندما توقف قلبه في 17 آذار سنة 1974 اثر نوية قلبية داهمته وهو في "محطة بنسلفانيا" للقطارات النيويوركية، ومات بسببها. ومنذ ذلك الحين شهدت العمارة العالمية "جريان" مياه كثيرة في مشهدها وخطابها المهنيّين، أغرقت واطاحت باسماء عديدة، مسدلة ستار النسيان عن بعضهم (عن غالبيتهم!)، خالقة تلك <المياة الجارية> "اساطيرها" الخاصة و"حكاياها" المولدة لمفاهيم تدعي بانها قادرة على خلق مقاربات معمارية متنوعة تبنى طروحاتها معماريون عديدون، تأبى، الذاكرة المعمارية، الآن، حفظ اسمائهم واستذكار أعمالهم "لكثرتهم" وازدحامهم في المشهد والخطاب!

ولد "لِويسْ كَانْ" في احدى قرى جزيرة "ساريما" باستونيا في 1901 (عندما كانت استونيا، وقتذاك، ضمن حدود روسيا). وكان عمره ست سنوات عندما هاجرت عائلته الى امريكا، درس العمارة في جامعة بنسلفانيا التى تخرج منها سنة 1924. وقد عمل في مكاتب معمارية مختلفة حال تخرجه من الجامعة. سافر الى اوربا ما بين 1928 -1929 للاطلاع ودرس الاثار المعمارية الكلاسيكية والاوربية. شرع في تأسيس مكتب معماري خاص به عام 1937. شغل منصب استاذ في "جامعة ييل" Yale University سنة 1947. صمم مختبرات ريجاردس للابحاث في جامعة بنسلفانيا (1957 -1960)؛ كما صمم متحف كامبل للفنون في "فورت ورث" تكساس (1967 -72). و"معهد سالك" (1965) في كاليفورنيا وغير ذلك من التصاميم المميزة. واعتباراً من أوئل عام 1962 ينهمك "كان" في إعداد تصاميم مباني الجمعية الوطنية "البرلمان" في دكا / بنغالادش والذي اكتمل في 1976 بعد وفاة المعمار. كما صمم مباني معهد الادارة في أحمد آباد بالهند (1962 -67)، توفي سنة 1974.

واستطرادا لسيرته الذاتية، أود هنا، أن اشير، ولو باختصار، الى بعض معالم وخصائص عمارة هذا المعماري المهم في مشهد عمارة الحداثة. اذ ارتبط اسمه باطروحة خاصة به تسعى وراء استحضار و"ارجاع" مفاهيم <الصرحية> للمنتج المعماري الحديث، بعد ان مّر بفترة وسُمّ ذلك المنتج بنوع من "تفتيت" لصلادة البُنى التركيبية له. ورغم ان عددا مهماُ من المعماريين اشتغلوا، على هذة الثيمة التصميمية عندما ظهرت في المشهد المعماري بصورة جلية في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، الا ان "لويس كان" اختط لنفسه مقاربة خاصة تنزع الى ايجاد حلول مقنعة ولافتة ومميزة لتلك الاشكالية التصميمية؛ استرعت، في حينها، انتباه واهتمام كثر من المعماريين الممارسين ونقاد العمارة. ومما زاد من قيمة تلك المقاربة "الكانوية" (نسبة الى "كان")، كفاءة ومقدرة "لويس كان" في تغليفها بابعاد فلسفية، بدت وكأنها بمثابة حدث رائد وطازج و..فريد في الخطاب المعماري وقتذاك! فحديثة عن "اصل" الاشياء واسلوب توظيف ذلك معماريا (موضوع <المدرسة> على سبيل المثال الذي سنورد ما قاله بصددها لاحقاً)، واستخدامه الاشكال الهندسية الاساسية الصافية مع تأكيده على واقعة حضور "الاختلافات الطفيفة" Nuance كقيمة تكوينية، بالاضافة الى اطروحته حول تفريق العناصر "الخادمة" عن "المخدومة" تصميميا، والاهم استرجاع دلالات المفاهيم "الصرحية" و"الرسمانية" للبنى المصممة، كل ذلك جعل من ذلك الاستاذ الجامعي المغمور، يوماً ما، "نجماً" ساطعاُ في سماء العمارة الامريكية والعالمية على حدِ سواء!

وقبل ان انهي هذا الاستطراد، أود ان اعود مرة آخرى، الى علاقة "لِويسْ كَانْ" بالعمارة الاسلامية التى عرفها بعمق واطلع علي نماذجها المبنية ميدانياً اثناء زيارته لمصر، ومن ثم تأثر بها وأثرت على مقاربته التصميمية تأثيرا بليغاً، بحيث وصل انبهاره بمخططات منتج العمارة الاسلامية الحصيف، الى اصطفاء بعض مفرداتها التكوينية وتوظيفها، بعد تأويل مجتهد، في احدى مبانيه. وانا، هنا فقط، اذكّر القراء الكرام وأحيلهم لمراجعة مخططات <الكنيسة الموحدة> (1959 -1062) في "روجستير" Rochester / نيويورك، لتبيان ذلك التأثير.

نشر "لِويسْ كَانْ"مقالاً في مجلة Architectural Design، عدد نيسان/ ابريل لسنة 1961 عن مفاهيمه فيما يخص<الشكل والتصميم> Form and Design. وفيه يتعاطي مع مفهوم "الشكل" كما صاغه "ارسطو" (384 -322 ق. م.) من قبل. "فالشكل" لديه <شَيء> يتمثل بالاختلافات المرئية الجوهرية، مثلما يتحدد عبر خصائصه البنيوية. يكتب "كان" عن ذلك في ذلك المقال (.. وبترجمتي) ما يلي:

".. ينطوي <الشكل> على سلسلة من الانظمة الداخلية المنسجمة اضافة الى الاحساس بـ "النظام"، والى كل ما يميز ظاهرة عن آخرى. فالشكل ليس له علاقة لا مع تخطيطات دواخل الخطوط المحيطة ولا مع المقاسات المحددة. انه بشكل وبآخر يتساوق مع اختلافات مثال مفهوم "المعلقة" المجرد عن "الملعقة" المادية، والتى يتميز مفهوم الشكل فيها بانه الشئ الذي يمتلك جزأين متلازمتين وهما: المقبضة والوعاء، في حين يقتضي لوجود "الملعقة المحددة" (المادية) تصميما خاصا لها مصنوعا من الخشب او الفضة، بابعاد كبيرة او صغيرة، عميقة ام ضحلة. ويبقى <الشكل> يدلل على "ماذا"، بينما <التصميم> معني بـ "كيف"! وعموما، يكمن <الشكل> بكونه حالة تتعالى عن التأطير والانتساب، بينما يسند <التصميم> الى "مصمم". فالتصميم، هنا، هو إجراء يعتمد على وجود شروط معينة، مثل: الاموال المرصودة له، خصوصية الموقع، رب العمل، حجم كتلة المبنى. اما <الشكل> فيظل مستقلاً تماماً عن اية شروط. في العمارة يتحدد كل ذلك من خلال تناغم الفضاءات الملائمة للنشاط الانساني".

.. "أدرك وأفهم <المدرسة> بكونها مجموعة من الاحياز المريحة للتعلم فيها. وقد نشأت المدارس عندما وقف "شخص" مرة، تحت شجرة، ومن دون أن يعرف بانه <معلم>، مشاركا معارفه التى يمتلكها مع <مستمعين>، والذين بدورهم لم يكونوا يعرفوا بانهم <تلاميذ> وقد فكر اولئك المستمعين عن ما تمت مناقشته وكيف كانت تلك المناقشات مثمرة وممتعة وهم بصحبة ذلك "الشخص"؛ كما انهم حرصوا ان يسمع اطفالهم "معارف" ذلك الرجل ايضا. وسرعان ما تم انشاء احياز اخرى مناسبة، معلنة عن "ظهور" المدارس لاول مرة! وكان ذلك الظهور امراً حتمياً لانها امست جزءا من رغبات الانسان!"

اثناء زيارة "لِويسْ كَانْ" الى الاتحاد السوفياتي (سابقاً)، القى محاضرة على طلبة كلية العمارة والفنون في لينينغراد بتاريخ 3 حزيران 1965، واجاب عن اسئلة الطلاب. فيما يلي بعض الاسئلة والاجوبة (..وبترجمة مني ولكن من الروسية هذة المرة!) انقلها لكم:

سؤال: كيف تقيمّون امكانيات مزج نتائج الاعمال الفنية المتنوعة مع العمارة؟

جواب: لا أومن بامكانية مزج عمل المعمار والنحات والرسام. أعتقد ان المبنى العظيم، الذي يتم اجتراحه وفقاً للسنن الابدية الخاصة بالفضاء والضوء، قادر ان يخلق جدران من شأنها ان تلهم الرسامين والنحاتين. ولكن اذا قمت، ببساطة، في اصطفاء جدار ما للرسم عليه، فسوف يتحول ذلك الجدار الى "ملصق"! يتعين ان يلهم الجدار الفنان. لا يمكنك إجتراح عمارة لتكون لوحة فنية او قطعة نحتية. معلوم ان النظرة العامة والاساليب الخاصة التى تحدد عمل المعمار هي غيرها بالنسبة الى الفنان او النحات. فالمعمار عقلاني، في حين أن الفنانيين عاطفيون، وينبغى عليهم جميعا ان يلهم الواحد الآخر. قد يوجد كثر من المعماريين يمتلكون موهبة الرسام او النحات، وبالتالي فهم يوظفون تلك الامكانات في صالح اعمالهم. هذا جائز؛ بيد ان من غير الجائز دمج "روحين" اثنين في "روح" واحدة!

سؤال: ما هو رأيك في دور اللون في العمارة؟

جواب: الشمس رسام عظيم! فضوء الشمس الاحمر يعطى ظلاً اخضراً، وأزرقاً وحتى.. اصفراً! في اجواء بعض البلدان يمكنك ان ترى ذلك بوضوح! اذا رغبتم بطلاء المنزل فسوف تعهدون تلك المهمة الى صباغ لطلائه. انا اثق بـقوة "فنية" الشمس! ولكن اذا احببتم طلائه باصباغ، فذلك متروك لكم... لماذا لا؟!

سؤال: كيف تقيمّون أهمية الخصائص الوطنية في العمارة الحديثة؟

جواب: شخصيا، أود ان لا اتحدث عن السمات الوطنية، وإنما عن السمات الاقليمية. اذ تأتي السمات الوطنية للعمارة من الاقليمية، هي التى نجد فيها الخصائص الوطنية.

سؤال: ما هو موقفك تجاه اعمال "ميس فان دير رو"؟

(يعتبر المعمار "ميس فان دير رو" <1886 – 1969>، كما هو معروف، واحداً من اساطين معماريي الحداثة، وقد اثرت مقاربته المميزة تأثيرا قويا وعميقا على مقاربات كثر من المعماريين المنتشرين في انحاء عديدة من العالم وهو صاحب المقولة المجنحة "القليل يعني الكثير". خ. س.)

جواب: سوف لن اتحدث عن معماريين معينين. لكني لا اؤمن باطروحة الفضاء الموحد. فكل فضاء معماري (الفضاء الذي يستحق هذا التعبير)، يتعين ان يمتلك "وهجه " وعالمه الخاصيّن به! يبقى علينا الاعتراف بان مثل تلك الحلول المتماثلة للفضاء ملائمة للمصانع او لبقية المباني الآخرى، والتى وفقا لوظيفتها، لا يمكن تقطيعها. وفقط عند تلك الحـالات يمكن تبرير وجود الفضاءات الموحـدة لمزاياها العملية".