بقلم مهدي قاسم

قيل أنه في أوّج الحرب العالمية الثانية و قد أصبحت لندن هدفا  متواصلا لهجمات و قصف الطائرات الهتلرية  ، لحد أضطر سكانها المكوث تحت الأقبية و الأنفاق تحوطا ، فحينها سأل رئيس الحكومة البريطانية تشرشل عن أحوال جهاز القضاء  وعن نزاهته  وعندما كان الجواب إيجابيا  رد ما معناه :

ــ إذن فلا زالت بريطانيا بخير..

 ولكن  مع الأسف أن القضاء العراقي لم يكن هكذا مستقلا و نزيها لا في عهد النظام السابق ولا الآن ، بل زاد سوءا  ومهزلة في عهد الساسة الإسلاميين اللصوص والعملاء..

 ولكن إذا كان مفهوما أنه لم يكن كذلك في عهد النظام الدموي البائد  و حكم الحزب الواحد و العصابة  الصدامية الواحدة ، فأنه لمبعث استغراب أن يكون  جهاز القضاء العراقي الآن أسوأ من ذلك العهد ،  نعم أسوأ  بكثير لكون جهات و أطراف سياسية عديدة ومختلفة  تتدخل في شأن القضاء و تفرض عليه  إصدار أحكام  بما تناسب و مصالحها و أهدافها الحزبية والسياسية الأخرى القائمة على أساس اتفاقات و مساومات و صفقات سياسية  من قبيل ” شيلني حتى أشيلك ” فضلا عن تقسيم المناصب والمغانم  بين أحزاب وحركات وتنظيمات طائفية ومحاصصتية ، لا زالت تنظر إلى ثروات  وممتلكات العراق على أنها مجرد اسلاب  لعمليات نهب وفرهدة ..

بطبيعة الحال عندنا شواهد كثيرة على مثل هذه التدخلات  الفظة في الشأن القضاء ما بعد السقوط ،  وممارسة  الضغوط عليه ــ القضاء ــ لكي يصدر أحكاما بما تناسب غايات ومصالح  هذه الأحزاب  مثل أحكام تبرئة  من جرائم إرهاب و سرقات من قبل أحزاب متنفذة وتجاوزات قانونية من قبل ميليشيات  إيرانية في العراق فضلا عن مجموعات إرهابية أخرى . و أخر ما أشعل  المواقع  و صفحات التواصل الاجتماعي هو صدور حكم التبرئة بحق  العيساوي من تهمة الإرهاب  وربما فيما بعد من تهمة الفساد أيضا !! مثلما فعلوا مع غيره كسليم الجبوري  و مشعان الجبوري و عدنان الدليمي و كذلك اللصة المّدانة ثم المعفية من الجرم رئيسة مؤسسة الشهداء ــ النكرة التي لا يخطر اسمها الآن على بالنا ـــ و كذلك غيرهم ممن جرت عملية تبرئتهم بعد الإدانة ، حيث كل هذا جرى في السنوات الماضية و القريبة ،  وكذلك إطلاق سراح عناصر حزب الله العراقي الذين ضُبطوا متلبسين بنصب صواريخ  لقصف بعض المناطق  ومن ضمنها المنطقة الخضراء وقد قررت المحكمة الإفراج عنهم  دون أن نعرف حيثيات هذا الإفراج  والملابسات الكامنة خلف ذلك ، وقد خرجوا منتفخين غرورا و كأنهم قد رجعوا  بعد تحريرهم  للقدس !!، وهم يدوسون على صورة مصطفى الكاظمي احتقارا و تشنيعا و إساءة ، في أسوأ تظاهرة تحد واستخفاف  بالقانون  وبما تبقى من هيبة الدولة أولا ، و إظهارا لسطوة وهيمنة الدولة الميليشاوية العميقة ثانيا و التي يقودها ضباط  النظام الإيراني في العراق ،  كنوع من احتلال سياسي و أمني و اقتصادي للعراق ، و هذا يعني أنه ليس بإمكان  مصطفى الكاظمي خوض مواجهة  علنية مع النظام الإيراني في العراق ، دون دعم دولي واضح وحقيقي ومضمون مائة في المائة ..

 ولكن يجب أن نضيف قبل أن ننسى ، أن عميد الساسة الفاسدين  والمجرم السياسي نوري المالكي هو من بدأ بتسيَّس  جهازالقضاء العراقي ، بعدما استجاب له  مدحت  محمود رئيس القضاء العراقي  الأعلى  ونفّذ له ما اراد  ليبقى و يستمر في منصبه  كرئيس في هذا الجهاز الحسّاس ، وهو نفس  رئيس القضاء في عهد الدكتور البائد الذي يُقال أنه أصدر تشريعات بجواز قطع أذان الهاربين من الجيش وغيرها من تشريعات  شرّعنت لجرائم أخرى مماثلة   تلبية لرغبات الديكتاتور. فكان سهلا لنوري المالكي أن يفرض إرادته  و أهدافه و مصالحه السياسية على شخص  انتهازي كهذا ، و الذي يبدو أنه مستعد لئن ينفّذ أي طلب لساسة وزعماء متنفذين ليبقى في منصبه لحين يموت ..

 ليتم نقله من كرسي الرئاسة إلى لحد القبر..

دون أن يهمه لا هو ، ولا نوري المالكي،  حكم التاريخ  ولا لعنة الأجيال القادمة ..

سوف تتذكر هذه الأجيال كيف كانت المحاكم العراقية في عهد مدحت محمود إذ مرة تحكم هذه المحاكم بالإدانة ومرة بالبراءة على نفس الشخص و بنفس التهم والحيثيات  في أكبر مهزلة محاكم في التاريخ ..