Algeria

إرهاصات عجلت بانهيار جدار الصمت والخوف...

البلاد - زهية رافع - كان ترشح الرئيس المريض عبد العزيز بتفليقة الذي لم يخاطب شعبه منذ سبع سنوات منعطفا حاسما، ونقطة تحول رسمت مسارا جديدا للجزائر حيث انهار جدار الصمت لتظهر جزائر جديدة لا تشبه ما قبل 22 فيفري 2019 وهو بداية انطلاق الحراك الجزائري.

فكان الحراك عنوانا تاريخيا لثورة سلمية أبهرت العالم وشدت كل الأنظار على مدار سنة، حيث خرج الشعب الجزائري من ذروة الغضب وخيبات الأمل والفقر للتخلص من قيد حُكم أطبق على أنفاسهم لعقود.

منذ 22 فيفري صنع الجزائريون مشهدا قلب كل الموازين انطلق من وعي إيجابي بقدرة الذات على الرفض فعبر عن نفسه من خلال مواقف ومطالب وبطريقة سلمية وحضارية أبهرت العالم والمحللين والسياسيين، باعتبار أن الشعب في نظرهم قد استقال من الحياة السياسية والعامة وأنه يعيش قدره المحتوم في إطار الإستسلام واليأس الفردي والجماعي لكنه خرج كالنار الملتهبة رافعا مطالب حضارية، مطالب ظل متمسكا بها في كل جمعة فقلب المعادلة، أسقط نظاما عمر 20 سنة، وقلب موازين اللعبة السياسية ورسم جزائر جديدة شعارها التغيير وفق أهداف جديدة.

شعلة الاحتجاجات:إرهاصات التغيير

في الجزائر بدأت بعد إعلان موعد الانتخابات الرئاسية في 18 أفريل الماضي، حين أعلن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ترشحه رسمياً لولاية خامسة، وهو على كرسي متحرك.

غادر بعدها بوتفليقة البلاد إلى جنيف “لإجراء فحوصات طبية روتينية” لمدة 4 أيام، لكن غيابه طال عن البلاد، حيث مكث 15 يوماً هناك، تضاربت خلالها الأنباء حول وضعه الصحي الذي كان متردياً أصلا، ليعود بعدها إلى الجزائر.

لكن عودته لم تكن في ظروف متوقعة حيث استقبل بوتفليقة ومن رشحه لولاية خامسة، بخروج الملايين إلى الشوارع، ليس ترحيباً به، بل مطالبين برحيله مع نظامه.

القاعة البيضاوية.. المبايعة التي حركت نيران التغيير

  في 10 فيفري شهدت القاعة البضياوية تجمعا شعبيا ضخما نظمه حزب جبهة التحرير الوطني وشاركت فيه أحزاب موالية وجمعيات وممثلي المجتمع المدني، لإعلان دعمهم ترشح الرئيس السابق بوتفليقة لعهدة خامسة، وهو التجمع الذي خلف موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي والتصق بالحاضرين والمشاركين في التجمع وصف “الكاشير”.

من خنشلة وخراطة كانت البداية

في14 فيفري خرج مئات المواطنين في مدينة خشنلة احتجاجا على استفازات المير تزامنا مع التجمع الذي أقامه المرشح السابق للرئاسيات رشيد نكاز ليليلها يوم 16 فيفري اول مسيرة في مدينة خراطة بالحدود مع ولاية بجاية، في احتجاجات ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة وبعدها بومين.

وبعد 3 أيام وتحديدا في 19 فيفري اندلعت شرارة الحراك من ولاية خنشلة حين قام محتجون بتمزيق لافتة كبيرة لصورة بوتفليقة وأسقطوا صورته ليكون ذلك المشهد كافيا لكسر حاجز الخوف لدى ملايين الجزائريين. احتجاجات خراطة لم يتوقع أن يكون لها صدى، خاصة أن الأحزاب الموالية للرئيس كانت تشتغل ليل نهار على التحضير للحملة الانتخابية الاستباقية، إذ بدأ دعاة الاستمرارية بعقد تجمعات وندوات يؤكدون فيها أن بوتفليقة هو “الأب المجاهد”، مروجين للعهدة الخامسة “استكمالا لما بدأه الرئيس”.

العالم الافتراضي

 بعد موقعة القاعة البيضاوية انطلقت دعوات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى دعوات أخرى أطلقتها حركة “مواطنة” وحركات وأحزاب المعارضة الرافضة لإعادة انتخاب الرئيس لولاية جديدة 

فالشحن العاطفي الذي مارسه دعاة الخامسة انقلب نتائج سلبية وبدأت التحركات لقطع الطريق على العهدة الخامسة من طرف شباب خراطة، لتكون الشرارة الأولى لاحتجاجات الحراك الشعبي التي توسعت لتشم كل من ولايتي تيزي وزو وخنشلة، شرقي الجزائر، ثم العاصمة يومي 18 و19 فيفري الماضي.

الرمال تتحرك والطوفان قادم

كل التحركات كانت توحي بأن طوفانا قادما حيث بدأت التحضيرات لما أطلق عليه بـ«جمعة الرفض”، ولعب الفضاء الافتراضي دورًا بارزًا في الحراك الشعبي بعد انتشار دعوات كثيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعو المواطنين إلى مسيرات في كل الولايات استعدادا لـ22 فيفري جمعة الغضب المليونية تسارعت الأحداث بشكل غير مسبوق وتوسعت دائرة الاحتقان والغليان، لتندلع في 22 فيفري في كامل التراب الوطني احتجاجات شعبية للمطالبة بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة.

وبدأت الاحتجاجات بعد صلاة الجمعة في كل من الجزائر العاصمة، سوق أهراس، تبسة، عنابة، المسيلة، سطيف، قالمة، جيجل، بجاية، تيزي وزو، البويرة، بومرداس، تيارت، غليزان، وهران وورقلة. حيث خرج قرابة 20 مليون جزائري في جميع البلاد في سابقة لم تشهدها من قبل، حيث إن التقديرات الأمنية لم تتوقع خروج أكثر من ألف متظاهر في العاصمة، لكن المفاجأة كانت في خروج الآلاف في شوارع العاصمة، منها ومن محيطها، يرفعون شعار: “لا للعهدة الخامسة”، مؤكدين أنها “سلمية.. سلمية”.

استفزازات بوشارب وسلال

عرفت جمعة التأكيد توافدًا أكبر للمحتجين من مختلف الولايات إلى العاصمة. ورفعت الأصوات ردًا على استفزازات معاذ بوشارب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، الذي قال عبر التلفاز: “من يريد من بوتفليقة عدم الترشح، أقول لهم احلموا”. لتزيد تسريب المكالمة الهاتفية التي تمت بين مدير حملة بوتفليقة عبد المالك سلال وعلي حداد الذي كان مسؤولا عن تمويل حملته الانتخابية القطرة التي أفاضت الكأس حيث حملت المكالمة استهزاء بالمحتجين وتوعدا بمحاربتهم بالكلاشينكوف وذلك جزء من خططهما لتجاوز الاحتجاجات.

خطاب بوتفليقة والغليان

لم يتوقع الجزائريون أن يصم بوتفليقة أذنيه عن هدير أصواتهم، لكن ذلك ما حدث عندما أصدرت الرئاسة خطابا منسوبًا إليه في الثالث من مارس الماضي، تعلن فيه ترشحه للعهدة الخامسة، مع وعود بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة. وكانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس، بمئات آلاف المحتجين في الشوارع تنديدًا بترشحه، واعتبروا أن الخطاب “استفزازٌ من رجل مريض”، لم يخرج عليهم بعد احتجاجاتهم، كما لم يخرج منذ سنوات!

بعد ثلاثة أيام، غير الفريق أحمد ڤايد صالح، نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان لهجته، فلأول مرة لم يذكر قائد الأركان في كلمته اسم بوتفليقة، محاولا دغدغة مشاعر الشعب الجزائري بالقول: “الجزائر قوية بشعبها”، وهي العبارات التي أدخلت الثقة في نفوس الجزائريين لمواصلة مسيرة المطالب.

بداية التنازلات

فرض ضغط الشارع ـ الذي لم يهدأ ـ على السلطة ضرورة تقديم تنازلات بدأت بالعدول عن العهدة الخامسة وانتهت بتنحي بوتفليقة، حيث دفعت تلك الاحتجاجات الرئيس بوتفليقة  في 11 مارس إلى العدول عن الترشح لعهدة خامسة، لكنه ألغى انتخابات 18 أفريل وقرر التمديد لولايته الرابعة “سنة أخرى” ليتم خلالها تعديل الدستور وتنظيم حوار وطني “جامع”، كما قام بتعيين نور الدين بدوي، رئيساً للوزراء.

مقترحات رفضها الشعب الذي خرج في “جمعة رفض التمديد” في 15 مارس حيث اعتبره الجزائريون محاولة التفاف على مطالبهم لإنقاذ النظام، وقرروا التصعيد بمظاهرات مليونية رفعت سقف مطالبهم إلى رفض “التمديد للرابعة” والمطالبة برحيل النظام.  وتزايدت وتيرة الاحتجاجات في الجزائر، وباتت كل فئات المجتمع الجزائري منخرطة في الحراك. وتزامنت معها تفككات في الحساسيات السياسة الموالية للرئيس بوتفليقة، وانقسام بين الأحزاب والمنظمات الكبرى التي كانت تدعو للعهدة الخامسة.  العشرات من الوجوه السياسية خرجت عن صف السلطة، واستقال عدد من النواب، وانضمت النقابات العمالية للحراك.

ورافق ذلك كله خطابات تأييد من رئيس أركان الجيش الجزائري، يؤكد فيها الانحياز لخيارات الشعب، وبدأت تلوح في الأفق بشائر الإطاحة ببوتفليقة. في أواخر مارس المنقضي، بدا بوتفليقة في مظر الرجل الوحيد، بعد أن تخلت عنه أكبر المنظمات في الجزائر، وهي منظمة المجاهدين التي دعت للاستجابة لمطلب الشعب. وعلى إثر ذلك دخلت البلاد في حالة من الترقب والغموض، وسط إصرار شعبي على رحيل النظام، مقابل “مراوغة حاشية بوتفليقة” وتسارعت الأحداث بعد أخبار الاجتماع السري الذي عقده شقيق الرئيس ومستشاره الخاص السعيد بوتفليقة، مع كبار الجنرالات، وأخرج اسم الجنرال، الرئيس الأسبق اليمين زروال، الذي اجتمع معهم أيضًا. فما كان من الرئيس الأسبق إلا أن يكشف المستور ويطلق بذلك الرصاصة القاتلة على الرئاسة، ببيان قال فيه إنه التقى السعيد بوتفليقة ورفض عرضه لتسيير المرحلة الانتقالية، داعيًا إياهم إلى “التعقل والرضوخ لمطالب الشعب”.

ليرضخ بوتفليقة بعد 6 أسابيع من مظاهرات مليونية، “لأمر واقع الشعب والجيش”. في مساء 2 أفريل الماضي، عقدت قيادات الجيش أكبر اجتماع طارئ لها منذ أكثر من عقدين برئاسة قائد الأركان الفريق أحمد ڤايد صالح، حيث أعلن “انحيازه التام وغير المشروط لمطالب الحراك”، ودعا إلى تفعيل المادة 102 من الدستور التي تقر بشغور منصب رئيس البلاد، واصفاً إياها بـ«القرار الذي لا رجعة عنه”. وبعد أقل من ساعتين، أعلن بوتفليقة تخليه عن الحكم بعد 20 سنة من رئاسة البلاد، حيث بات أطول الرؤساء حكماً، وأتبعها برسالة اعتذار “مؤثرة” للجزائريين.

أصر الجزائريون على التغيير الجذري للنظام وسياساته، وطالبوا برحيل ومحاسبة رموز نظام بوتفليقة، وعاهدوا بلادهم بأن لا يبرحوا ساحاتهم حتى “يزلزل الحراك الأرض من تحت نظام بوتفليقة”.