Iraq
This article was added by the user . TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

باليت المدى: تحت شجرة التفاح

 ستار كاووش

إقتربت خطواتي من المدخل، حيث يرفرف علمان على الجانبين، كتب عليهما (خارج المكان) وهو اسم المتحف الجميل الذي يبعد عن مرسمي نصف ساعة بالسيارة. وهذا المتحف ببنايته الغريبة، والطبيعة الساحرة التي تحيط به وسط مدينة إيلده الريفية شمال هولندا، يبدو فعلاً خارج المكان وبعيداً عن المألوف.

المتحف يعود الى عائلة نيزنغ التي اشترت هذه القطعة من الأرض مع بعض بناياتها التي تعود للقرن السابع عشر، وحولته الى متحف متخصص فقط بالفن التشخيصي، حيث لا يعرض هذا المتحف أعمالاً تجريدية، بل يعرض اللوحات التشخيصية سواء كانت واقعية أو تعبيرية أو رمزية وغيرها، ومجموعته الدائمة يغلب عليها لوحات الواقعية السحرية أو ما تسمى في هولندا بواقعية الشمال. هكذا ذهبتُ البارحة لزيارته والاطلاع على معرض الفنانة أولغا فيسه الذي يقام الآن. ورغمَ اني قد هيئتُ بعض الأفكار للكتابة عن المعرض، لكني أَجَّلتُ ذلك الى يوم قادم، لأني وجدتُ نفسي مشدوداً الى موضوع آخر رأيته بجانب المتحف. إنها الحديقة الساحرة والغريبة التي تُحاذيه وتحيط به مثل أم رؤوم.

بدتْ الحديقة لأول وهلة كإنها مكان سري أو متاهة متداخلة، ليس بأمكانك معرفة مدخلها بسهولة، ولا إكتشاف مخرجها ببساطة، لكني مع ذلك درتُ متنقلاً بين أرجائها، أتأمل في بعض جوانبها مجموعة من التماثيل الصغيرة التي بانت عليها بصمات الزمن، وأقف أمام زهور الخزامى التي أحتلت الزاوية الشمالية للحديقة، حيث يشع أزرق الكوبالت الفاتن الذي يقترب من البنفسجي، فيما تكورت مجموعة من الشجيرات المتجاورة التي تم تشذيبها بعناية، حتى بَدَتْ كإنها أرداف نساء. سرتُ بين بعض الممرات الضيقة ونسيتُ العالم، فيما خرير الماء والسواقي الصغيرة زادَ من غموض الحديقة وأكسبها مناخاً غير مألوفاً.

وفيما أنا أتنقل بين زوايا الحديقة، ظهرت أمامي بعض الكابينات الصغيرة والأنيقة المطلية بلون أسود من الخارج، فيما شعَّ داخلها بلون أبيض، وأخذتْ أماكنها وسط عشب إحدى باحات الحديقة. كانت أبواب الكابينات مفتوحة، وكل واحدة منها تتسع لكرسي واحد إستَقَرَّ بداخلها بطريقة مريحة وأنيقة، وقد إزدادتْ دهشتي حين قرأت ما كُتِبَ عليها (كابينات الشعر). ياللجمال، ويا لحيرتي التي بدأتْ تكبر كلما إتَّسَعَتْ الحديقة. أعرف إن المكان شاعري جداً، لكن أين هو الشعر الذي يمكنني الحصول عليه في هذه الكابينة؟ كيف يمكنني قراءة شيئاً من الشعر وسط هذه الخضرة؟ وحين إقتربت من إحدى الكابينات تبددتْ دهشتي، حيث إنتبهتُ الى سماعة مربعة الشكل على يسار الكرسي، وقد بانت قربها تسعة أزرار، كتب قرب كل زر إسم شاعرة أو شاعر هولندي، وما عليك سوى الجلوس على الكرسي والضغط على الزر الذي تختاره لينساب صوت الشاعر الذي كتب القصيدة، بهدوء وبطريقة مدهشة، لك وحدك ولا يسمعها أحد سواك، وسط هذه الخضرة الاستثنائية. قرأت بسرعة أسماء الشعراء -الذين تتغير اسماؤهم هنا بين فترة وأخرى-، وتوقفتُ أمام شاعر أحبه كثيراً لأني أعرفه شخصياً وهو شاعر هولندا روتخر كوبلاند، وقصيدته التي عنوانها (تحت شجرة التفاح)، وما أن ضغطت على الزر حتى تهادى صوت كوبلاند وقصيدته التي يتحدثُ فيها عن الحقول والعشب، والجار الذي مازال منشغلاً بتشذيب حديقته، عن الهدوء الذي يُخيم على المكان، فيما هو جالس تحت شجرة التفاح، حتى أجنحة الأوز التي كانت تُحَلِّقُ فوق الحقل، تناهت الى سمعه رفرفتها وسط ذلك السكون، فيما الشاعر كان بإنتظار أن يأتي أحد، ليقاسمه كل ذلك تحت شجرة التفاح الوحيدة التي ظل جالساً تحتها في ذلك المساء الأزرق المعتم.

بعد أن إنتهيتُ من سماع القصيدة، صارتْ الحديقة أجمل وتحول المكان المحيط بي الى نوع من السحر. الجمال في كل مكان وعلينا أن نعيره اهتمامنا، وفوق ذلك هناك ناس جبلوا على تقديم هذا الجمال لنا ومنحنا هدايا تجعل صعوبات الحياة أخف وطأة. خرجت من كابينة الشعر وتأملتُ المكان من جديد بعينٍ مختلفة. الجمال يمنحنا نوعاً من الخفة التي تجعلنا نمضي برشاقة مع هذه الحياة. أكملتُ جولتي في الحديقة وأنا أستعيد كلمات الشاعر كوبلاند وأتذكر لقائي بي، وكيف رسمتُ له بورتريت عرضته في معرضي الشخصي (أجنحة الغيمة). وقبل أن أمضي عائداً الى المرسم، إتكأتُ على السياج المبني بحجارة حمراء، ونظرت نحو الحديقة التي بانت كإنها جزء من حكاية خرافية، وتأكدتُ بأن الجمال موجود حقاً وعلينا اكتشافه في كل زاوية.