logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo
star Bookmark: Tag Tag Tag Tag Tag
Iraq

المهرجان الدولي للسينمات المُختلفة، والتجريبية

صلاح سرميني

خلال الفترة من 3 وحتى 14 أكتوبر 2018 إحتفل المهرجان الدولي للسينمات المُختلفة، والتجريبية في باريس بدورته العشرين، وقد صمد كلّ تلك السنوات الطويلة بسبب حاجة السينما نفسها إليه كي يُجددها دائماً، خلال تلك السنوات، اقترح تيماتٍ خارجة عن المألوف، تجريبية، ملتزمة، وأحياناً مزعجة، وكانت دورة هذا العام فرصةً لإعادة اكتشاف طبيعة المهرجان نفسه، وآلياته، والعودة إلى تاريخه من خلال برمجة مجموعة مختارة من الأفلام التي عُرضت في دورته الأولى عام 1999.
تغيّر شكل المهرجان عدة مرات، ولكن الدورة الأخيرة احتفظت بالتوجه المُتبّع في السنوات السابقة، وبالتالي، تكوّنت المسابقة الدولية من42 فيلماً تمثل 22 دولة، اختيرت من بين حوالي 1600 فيلماً وصلت إلى إدارة المهرجان.

وفي إطار العروض خارج المسابقة، وتحت عنوان "بؤرة ضوء"، ركزّ المهرجان على موضوع من خلال دزينة من البرامج، حيث وجد المنظمون بأنه من الضروري تسليط الضوء على العديد من الاستراتيجيات، والمناهج التي طورتها السينما التجريبية نحو البقايا، نفاياتها الخاصة بها كما مخلفات الآخرين، سواء ما يتعلق بالسينما، المجتمع، الإنسان، أو العالم.
لقد بدا من المهم الإشارة بأن السينما التجريبية، وفي جزءٍ كبير منها وُلدت من البقايا، وهكذا، فإنها منذ بداياتها وُضعت جانباً، بعيداً عن الأنظار، وهناك وجدت ما تبحث عنه، وتحتاجه، لأنها خرجت من بقايا الأشرطة، والكاميرات المكسورة، والعتيقة الطراز، والمواد المستعملة التي كانت الدعامة الأساسية للتجريب حتى اليوم.
وفي الوقت الذي يحاول النظام الرقمي التخفيف من قسوةٍ في الصورة، والتقنية، وبالتالي التقليل من الأخطار المحتملة للبقايا، نجد بعض صانعي الأفلام، والفنانين يحاولون استعادة الخردة الرقمية، والافتراضية.
من جهة أخرى، النفايات، في المعنى المجازي رُبما، تشير إلى المُهمشين، والمُهملين، هي إذاً سينما "خارجة عن المألوف، والأعراف".
في مقدمة كتالوغ الدورة العشرين نقرأ:
"تعنينا مسألة النفايات بشكلٍ خاص، حيث نشعر بأننا قريبون منها، لأنه بطريقة ما، يعتبروننا مخلفات الصناعة السينمائية.
وبالتالي، من المفيد التفكير في موقعنا، وهو أيّ هامش، أن نظل مخلفاتٍ سعيدة، ونتصرف في الظلّ مع خطر التحلل، أو "نُعيد الاعتبار لنا" بإعادة تدوير أنفسنا، ولكن، في نفس الوقت، الحفاظ على النظافة؟"
كانت هذه الدورة أيضاً ـ كما سابقاتها ـ فرصة لتنشيط العروض مع جمهور من الشباب، وهي فكرة متكررة منذ عقدٍ من الزمان، سمحت بعرض أفلام من مقتنيات المؤسسة التي تنظم المهرجان (جماعة السينما الشابة)، وللسنة الرابعة، ينظم المهرجان عرضاً مخصصاً للأفلام التي أنجزها شباب تحت سن الخامسة عشر، يكشف الكثير منها، بوعيّ، أو بدونه، عن الممارسة المُتعلقة بالسينما التجريبية.
هو عنوان "بؤرة الضوء" الأولى، وبالآن ذاته احتفاء بـ"موريس لوميتر" (1926 - 2018)، مخرج فرنسيّ لا يتوقف عن الاستفزاز، والشغب المفيد، افتتح عمله السينمائي في 12 نوفمبر 1951 مع فيلمه "هل بدأ الفيلم بالفعل؟".
من خلال تبني، واعتناق، وتمديد مبادئ ما يُسمّى النقش/الحفر في شريط الفيلم، والخلاف/التعارض ما بين الصورة، والصوت التي تحدث عنها "إيسيدور إيزو" - الذي بدوره نصّب نفسه مؤسّساً للحركة الحروفية – يغرف "موريس لوميتر" من مخلفات إنتاج ثقافي، وينجز عملاً سينمائياً مفتوحاً على سينما احتمالية، وجذرية .
النصّ أدناه مقتطعٌ من التعليق الطويل المُتوفر في الفيلم بصوت المخرج نفسه، ويكشف عن حالة فيلمية لا يمكن تلخيصها.
وفي العرض الافتتاحي للدورة العشرين للمهرجان، حاول المُنظمون ما أُمكن إعادة تجسيد/تمثيل محتوى التعليق الكامل في الفيلم والذي نُشر أيضاً في كتابٍ عام 1952 بعنوان: (هل بدأ الفيلم بالفعل؟ عرض سينمائي).
سوف تُوضع شاشة صغيرة بلونٍ زهريّ عند المدخل الرئيسي لصالة سينما بمصابيح نيون مطفأة، عندما يعمّ الظلام في الشارع، قبل ساعة من بداية العرض، وحتى ذلك الحين، عاملٌ يعرض فيلماً كلاسيكياً "تعصب" لغريفيث على سبيل المثال، على الرصيف أمام القاعة، سيُكتب بحروفٍ ضخمة، ولون أبيض، عبارة: "هنا في الساعة 20:30، عرض سينمائي" مع سهم مرسوم تتوّجه بدايته نحو شباك بيع التذاكر، وفوقها، على الواجهة، ملصق ضخم بدون أيّ صورة توضيحية، يشير إلى عنوان الفيلم:
"هل بدأ عرض الفيلم بالفعل ؟."
على جدران كلّ جانب من مدخل الصالة، صور في إطارات زجاجية سوف نشاهد فيها:
أ ـ قبلة (لقطة قريبة)، لا يهمّ من هم النجوم.
ب ـ متزحلق على الجليد يهبط منحدراً جليدياً.
ج ـ مقتطف من إعلان عن شامبو، أو ماركة مشروب فاتح للشهية، الماركة غير ذات أهمية.
د ـ رئيس جمهورية تلك السنة يضع ببراعة قطعة قرميد على كومة من قطعٍ أخرى.
ه ـ رعاة بقر على ظهور خيول يطاردون هنوداً.
وـ ملعب لتصنيع أزرار ملابس داخلية.
ز ـ مقطع من رسوم متحركة.
على الرغم من الإعلان عن توقيت العرض في الساعة 8:30 مساءً، سوف نترك صف الانتظار يطول حتى الساعة 9:30 مساءً، وخلال هذه الستين دقيقة، ومن الطابق الأول للمبنى، سوف ننفض سجاداً مليئاً بالغبار، ونرمي دلاءً من الماء المُثلج على رؤوس المتفرجين المنتظرين، وسوف يتمّ تبادل الشتائم بأصواتٍ عالية بين أولئك الذين ينجزون هذه المهمة المثيرة للاشمئزاز، وعدداً من الممثلين الثانويين (كومبارس) اختلطوا مسبقاً في الزحام، وهم على الأرجح قبضوا أجراً من إدارة الصالة.
في تلك اللحظة فقط، ومن أجل وقف الفضيحة في بدايتها، تنفتح ابواب الصالة بعنفٍ بتأثير الاندفاع الفظّ لممثلين ثانويين آخرين من جميع الأعمار، يرتدون ملابس مختلفة، يخرج هؤلاء من الصالة بسرعة، ويشكلون مجموعاتٍ متحمّسة أمام شباك التذاكر، يصيحون بقوة، ويعبرون عن استيائهم من الفيلم الذي شاهدوه للتوّ، سوف يتوجهون نحو الشاشة الصغيرة الموضوعة أمام مدخل الصالة، والتي تعرض فيلم "غريفيث"، ويتابعون العرض باهتمام، يتخللها تعبيرات اعجاب صاخبة.
سيقوم مدير الصالة بإنهاء هذا الخروج الفوضويّ، يحاول المكوث أمام شباك التذاكر، ويثني الأشخاص المنتظرين عن مشاهدة الفيلم، حتى أنه سوف يهين العشاق، ويقدم لهم المال كي يذهبوا للبحث عن غرفة فندق.
الممثلون (الكومبارس) الذين تصادموا منذ قليل مع الأشخاص في الطابق الأول، يتوسلون إليهم للسماح لهم بالدخول.
مدير الصالة، وبعد نقاشٍ قصير، وبلهجةٍ مرهقة، ومحتقرة، يرفع ذراعيه في بادرة من اليأس، ويتراجع ببطءٍ نحو غرفة العرض، الممثلون في تلك اللحظات، يقودون الحشد بصرخاتهم، ونصائحهم، سرعان ما يندفعون ببهجة في الظلام.
سوف تكون الصالة مظلمة، ولن يأتي أحد لمساعدتهم على ايجاد أماكنهم، سوف يبحثون عن مقاعد في حالة ارتباك لا توصف، وتدافع على الأماكن التي يريدونها، ويبدأ عراك بعبارات نابية، وعنيفة بين الممثلين الثانويين، وعلى الشاشة التي لن تكون مستطيلة، ولكن بشكل يجعلها غريبة عن طريق تثبيت عددٍ من الستائر الملونة الزاهية على أجزاء معينة منها، وأشياء معلقة في السقف تهتزّ أمام الشاشة، بينما يستمرّ المتفرجون في البحث عن أماكن لهم.
وحالما ينتهي ذلك - أو يكاد - ويتزامن مع نهاية فيلم عن رعاة البقر، سوف تُضاء الصالة مباشرة، ونسمع صوت عامل العرض يطلب من الجمهور إخلاء الصالة.
يدخل عمال النظافة، يمسكون بأيديهم فرشاة، أو دلواً يمتلئ بماءٍ قذر، يتحدثون عن مهنتهم، والمشاكل التي يُحدثها المتفرجون خلال ممارسة عملهم، وبعد تنظيف سريع، يحملون أوانيهم، ويخرجون.
سوف يدخل المخرج، وعاملات الصالة بملابس يومية، ويشرحن متاعبهن للمخرج، ويعبرن عدم الرضى من المشاهدين الذين يريدون إثارة المشاكل فقط، بدون أن يقدموا أيّ بقشيش.
سوف يخرجن، وهن يتحدثن، بينما يصعد مؤلف الفيلم على المنصة، ويبدأ "موريس لوميتر" بقراءة نصاً طويلاً يدافع من خلاله عن فيلمه، يتخلله استهجان الممثلين الثانويين، يمسك عامل العرض في يديه شريط الفيلم، ويثور بجانب المخرج، يتهمه بصنع فيلم يتناقض مع أفكاره، ويبدأ بتمزيق الشريط، شخص أخر، يقدم نفسه بأنه المنتج، سيندفع في محاولة لإنقاذ أكبر قدر ممكن من الفيلم، سوف يخرجون جميعاً وهم يصرخون.
سكوت.

Themes
ICO