Iraq

ثورة تموز 58 بين الضرورة والحتم التاريخي

هذه اللحظة التاريخية تسمى في أدب الشعوب ثورة، وحينما تحدث الثورة يحدث الكثير مما هو غير حاضر في المخطط أو قد يكون متوقعاً وأحتمالياً، أو قد يكون نتيجة طبيعية لكون الحدث ثورة تهز الواقع بشكل غير متوقع، أو غير مسيطر عليه في حينه بسبب غياب القبضة الماسكة بمفاتيح الفعل أو الكونترول المسيطر على الوضع بشكل عام، يصاحبها أضطراب وعدم توازن في سلوكيات كل من كان جزء من حركتها أو تأثر بمدها أو نتيجة لحدوثها، فليس هناك ثورة للورد وليس هناك ثورة للعصافير، هناك ثورة فقط عندما يكون الإنسان مسحوقاً ومظلوماً وقادراً في نفس الوقت على التغيير وواجب عليه ذلك.

والثورة بفهمنا المعرفي على أنها مفصل هام في حركة الإنسان أو في وضع شروط حركته القادمة ومهما كانت النتائج، لا بد أن تدرس على هذا الأساس بظرفها بحراك القوى الصاعدة والقوى الساقطة، بالأيادي المباشرة والخفية التي صنعت الحدث، أيضاً لا ننسى حالة الحماس والتجييش من جهة وحالة الخذلان واليأس من جهة أخرى، هذه العوامل جميعاً هي من تصنع صورة الثورة، ليس في وقتها فحسب بل على أمتداد التاريخ الذي سيذكرها وتصبح مادة للنقاش والجدال في كل مرة، فالثورات الحقيقية هي التي تبقى معلقة دوماً على ذاكرة الدرس ولن تنسى، عندما يمر زمن وننسى حدث وصِف يوماً بثورة ولم يعد يتذكره أحد، هذا الحدث ليس تاريخياً ولا ثورياً، إنه قد يكون في أحسن الاحوال تمرين للقوة.

ثورة تموز عام 1958 في العراق والبعض يقول إنقلاب تموز الذي قاده بعض رجال الجيش، ومنهم من يقول أن الأمر ليس أكثر من تغيير دموي في هرم السلطة نتيجة مؤامرة أو طموح شخصي لبعض المراهقين السياسيين، بأي حال هذا الأمر والتوصيف لا يفرق عندي بقدر ما رتب الحدث من واقع على الواقع، بقدر ما غير أو عدل في مسارات الحدث، بقدر ما أنجز على مسارات التغيير والحركة الأجتماعية داخل منظومة المجتمع بما يعني ما كسب به المواطن العراقي من نتائج، والأهم بالقدر الذي حرك العقل العراقي وجره إلى دائرة النقد والتحليل ليكتشف الكثير من معادلات التغيير أو متغيرات ضمن التاريخ الخفي والمعلن.

لا ينكر أحد أن ما قبل الرابع عشر من تموز وما بعده جرى على نمط واحد من السيرورة التاريخية، ولا ينكر أحد أيضاً أن تداعيات الفعل كانت مجرد تغيير وجوه في الهرم دون أن تمس القاع الأجتماعي والقاعدة الشعبية، أنا شخصيا ومن خلال قراءة حيادية أرى أن التغيير لم يكن فوقياً ولم يحدث في الشكل الخارجي لوجه المجتمع العراقي، هذا يعني أن الحدث بما حدث فيه كان إنزايحاً عن خط معتمد ومتعمد لصالح التغيير، نعم كان هناك ثمن وكان هناك دم وكانت هناك خسائر وأرباح سياسية وأجتماعية، فوق أنه كان ضرورياً وحتمياً للعراق كدولة وكمجتمع شبه ميت سريريا في ظل نظام منفصل عن واقعه وقاعدته وقوانين وشروط الزمن.

ليس دفاعاً عن أحد لا عن زعيم ولا عن منظومة سياسية قادت أو لعبت دوراً في الأحداث اللاحقة، بقدر دفاعي عن منجز وعن ضرورة حتمية، فمنذ إن جاءت بريطانيا برجل مهزوم و وما يحمل من إرث سياسي منبعه فكرة تقليدية أستمدت أصولها من حركة محافظة على منهج القريشانية والعروبية المزيفة بجناحها الأول الذي يضمر عمق ديني هو الآخر أكثر محافظة وجدلية في رؤيته للإنسان، أسست بذلك نموذجاً معاقاً لحكم مجتمع ودولة وإنسان خارج للتو من أعماق تاريخ سيئ في كل شيء، الاحتلال العثماني الطويل للعراق لم يمنحه القدرة أن يكون فاعلاً ولا صائباً في خياراته المستقبلية، وبالتالي فإضافة ثقل أخر على حركته وتوجهه لمستقبل سيكون بالضرورة وبالتأكيد أبطأ من اللازم بل وقد يكون عامل إنتكاس ونكوص عن حلمه بالحرية.

العامل الآخر في هذه الإشكالية أن النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى لإدارة العراق أعتمد بكل قوة على جناحي الريفية القروية الأجتماعية وسلطتها المحافظة، وعلى دور المؤسسة الدينية التي كان لها موقف من الاحتلالين العثماني والبريطاني للعراق، سرعان ما تخلت عنه عندما وجدت مقعداً جديداً لها في النظام القادم، هذا التناغم بين القوى التقليدية التي كانت تحكم وتتحكم بالداخل العراقي خارج السلطة العثمانية لا يهتم ولا يبالي بأي حالة بما يريده الشعب العراقي، ولا بما تفرضه عملية التحول والانتقال الجديدة بين كيان محتمل لفترة طويلة من دولة ومجتمع آخر، إلى واقع أراد له أو أريد له أن يكون مختلفا في مفاصله ورؤاه وفلسفته.

النظام الملكي ومنظومة الحكم التي نشأت تحت ظله كانت في كل التقديرات والحسابات مجرد مرحلة تاريخية لا بد لها أن تنتهي حينما تتبلور رؤية وفعل ونخبة وفكرة أخرى، وحتى لو لم يكن الرابع عشر من تموز 1958 هو الموعد كان ممكناً أن يكون قبل ذلك بكثير وربما أيضاً بعده، وبالنتيجة التغيير موجود فعلي في العقلية العراقية وموجود أيضا في جوهر حركة التحرر التي كبرت وبلغت حد الفطام والفعل، وهذا ما يؤكد أن الثورة كانت خيارا حتميا في الأفق العراقي وقد يكون تأخر لسباب كثيرة منها أن قوة الخط المحافظ في المنظومة السياسية العراقية كان مجرد ظن غير حقيقي، فقد تهاوى هذا الخط سريعاً مع خروج غالبية كبرى من الشعب مع ثورة تموز وهدفها وضرورتها. 

البعض يتباكى على المشروعية وعلى الظلم الذي لحق بالعائلة المالكة وما أصابها من حدث الثورة، البعض الآخر يتباكى على الاستقرار والديمقراطية التي كانت في العهد الملكي وأن الثورة قد أفسدت على الشعب العراقي مسارات التحول والرقي الذي كان سينقلها إلى مصافي الدول الحضارية، البعض الأخر يرى أن فعل الثورة كان تلبية لمحددات خارجية لم تراع مصلحة الشعب ولا مستقبله، وكأن العراق في ظل النظام الملكي كان في بحبوحة لم يشهدها التاريخ ولن تتكرر أبدا ما لم نعود له مرة أخرى، أما الديمقراطية والاستقرار فما لا يمكن أن نحققه إلا بعودة نوري باشا وكل الطبقة التي حكمت في ذلك العهد ورسخت مفهوم العدالة الاجتماعي والحرية لكل الناس.

المنصف التاريخي في دراسته الاجتماعية والسياسية لواقع الديمقراطية الملكية يؤكد أن هذه التسمية أو المصطلح لم يكن واقعاً أجتماعياً عاماً، بل كان حقاً محصوراً داخل دائرة الحكم وقواه، فهي ديمقراطية ملكية نخبوية بأمتياز محصورة في الهرم السلطوي فقط، كان الشعب العراقي مجرد متفرج لا يحق له أن يقرر ولا يحق له المناقشة خارج خيارات النخبة الملكية، أما الأستقرار الاجتماعي والبناء المادي فهو ضمن حدود هذه النخبة أيضا في الوقت الذي كان الفقر والتخلف والأمراض الاجتماعية والصحية والتخلف العلمي والثقافي والحضاري يضرب بأطنابه كل طبقات المجتمع، التمايز والتسلط العشائري والأقطاع هما كل ما يمكن تأشيره على مرحلة الثماني والثلاثين سنة من حكم الملكية في العراق.

هذا لا ينكر أن هناك أنجازاً نسبياً في بعض جوانب الحياة في العراق وعلى مستويات ضيقة، ولكن هذا المنجز بالقياسات المادية والحسابية الفعلية لا ينسجم ولا يتوازى مع طول المدة التي قضاها العراق رازحاً تحت حكم الملكية، خاصة وأن العراق كان دولة نفطية منتجة وليس دولة فقيرة لا تستطيع النهوض بمجتمعها وشعبها، والدليل أن السنوات القليلة التي تلت ثورة تموز شهدت إنعطافة حادة وغير مسبوقة للنهوض به وبنفي الإمكانيات وبنفس المنظومة الإدارية.

هذا العرض يوضح بشكل جدي أن ما لا يريد أن يعترف البعض به من أن حدث الرابع عشر من تموز لم يكن إلا ثورة فاصلة وحقيقية وجادة في تاريخ الشعب العراقي، مهما قدموا من تبريرات أو اعتراضات على سيرورة الحدث ولا على صيرورة ما حدث، فالثورة بكل الاحوال تعني التبديل والتغيير والانتقال للضد النوعي، وهذا يحتمل أن تكون هناك جبهتين جبهة متضررة وجبهة مستقبلة راضية، والحكم النهائي يتعلق أولا بحجم الكتلة التي استفادت من التغيير، وثانياً استمرار الثورة على منهجها وبقاء ضروريات حدوثها وما تشكله من دافع للبقاء في حراك دائم بحثاً عن الأفضل .

Football news:

Xavi: Racism, sexism and other forms of discrimination must be eradicated by stopping games
Javier Mascherano: Messi is the main reason why Barcelona can beat any team
Barcelona is looking for a new coach. Pochettino, Koeman, Xavi are among the candidates (ESPN)
I just want to show you my dog. Klopp's cute video call to the Liverpool newcomer
Willian to Arsenal: third client Kia Joorabchian over the last year, for the contract was reduced officers of the club
Tiago Alcantara-Messi among the Midfielders. His ball movement and control of matches is an aesthetic pleasure
Yeovil of England's 5th division about De Gea: No, I'm not Interested. Sorry, David