ظل #الأردن بعيدا نسبياً عن أجواء الاستبداد القمعية، التي ميزت كل أنظمة سايكس – بيكو، منذ تأسيسها.
القيادة الأردنية، بالإضافة الى عدد ضئيل من هذه الأنظمة، كنظامي لبنان والكويت، اكتشفت منذ البدء فضيلة ابقاء هامش محدود من الحريات العامة، كونها تحقق تنفيسا يدرأ الإنفجار، لذلك بقيت مخاطره بعيدة، فيما غزت الاضطرابات والقلاقل باقي الأقطار.
الدولة الأردنية قدمت مؤخرا الى مجلس النواب، مشروع #قانون لإقراره، يتضمن حزمة من التعديلات للعقوبات المغلظة أصلا، الواردة في قانون #الجرائم_الاليكترونية، حيث تم إضافة كل ما يخطر على قلب بشر من توسيع ومسميات جرمية فضفاضة، لتغطي أية فرصة لاستثمار وسائل التواصل في كشف العيوب المتستر عليها، وتضمنت رفع مدة الحبس بشكل مبالغ فيه، مع غرامات مالية باهظة بأكثر من عشرة أضعاف القيم السابقة.
تبدو صفة الاستعجال في الأمر واضحة، بدليل أنه لم تتح مناقشته، بل حول لبحثه في اللجنة القانونية، وهذه عادة ما تكون مراجعاتها شكلية، فتعيده الى المجلس بعد تعديلات هامشية، لإقراره بتصويت الأغلبية المضمونة.
السؤال الهام: لماذا الاستعجال في هذا الأمر ولا يكون فيما يحقق مصالح المواطنين؟.
وهل من ضرورة له؟
وهل هي حقيقة كما أعلنت الحكومة بهدف حماية خصوصيات الناس، أم هي لتحصين الشخصيات العامة ومؤسسات الدولة من الانتقاد وكشف العيوب والتقصير، وحماية الفاسدين من انكشاف فسادهم؟.
أم أن هنالك في الأفق سحب داكنة قادمة تنذر بالأسوأ للوطن، فهي إجراءات مسبقة لتكميم الأفواه؟.
ثم أخيرا، أليست التعديلات مخالفة للدستور، في البند الذي يكفل للمواطن حرية التعبير عن الرأي؟.
كيف تكون تلك الحرية مكفولة إن كان على ابداء الرأي عقوبة؟.
ليس من حاجة الى الإجابة على هذه التساؤلات، إذا علمنا أنه لم يجرِ طوال القرن المنصرم اي تعديل على الدستور أو القوانين بناء على طلب الشعب أو من ممثليه (مجلس النواب)، جميعها كانت مقدمة من الحكومة.
لذلك ليس مقبولا أي زعم بأن الهدف حماية حقوق المواطنين وعلى رأسها الحريات العامة.
ويثبت ذلك ان الرفض لهذه التعديلات عام، ويشمل كل فئات المواطنين، بل حتى انتقدتها الخارجية الأمريكية.
لو استعرضنا المخاوف التي يبديها المراقبون من وراء اقرارها، سنجدها وجيهة، ومنها:
1 – عقوبة إهانة الشعور الديني الذي هو أسمى مشاعر الإنسان، وإيذاء للملايين، عقوبتها غرامة 20 دينار، بينما تصل عقوبة الذم والقدح لشخص واحد – وبغض النظر إن كان الذم بحق أو بباطل – تصل الى 20 ألف دينار.
2 – لا يمكن أن يجرؤ شخص ناله ظلم عام، على إعلان مظلمته في وسائل التواصل، كأن تكون سيارته تضررت بالسقوط في حفرة من تلك التي تحفل بها أغلب الشوارع، أو من عدم توفر العلاجات في المشافي الرسمية، أو من أي من آلاف أوجه التقصير الرسمي في الخدمات العامة، ليس له من سبيل الا إرسال شكواه الى الجهة المعنية، والتي هي في الغالب مصيرها سلة المهملات، واذا خاطر بنشر مظلمته لتشكل رأيا عاما ضاغطا سيتعرض لخطورة دفع غرامة باهظة لا يمكنه تسديدها الا اذا باع بيته أو أرضه.
3 – المواد 15 و16 متعلقة بمسائل الذم والقدح والتحقير واغتيال الشخصية، تصل الغرامة فيها إلى 50 ألف دينار، والصياغة في هذه المواد تحتمل تعريفات فضفاضة غير واضحة يمكن تكييفها حسب الحاجة، فتشكل سيفا مسلطا بيد السلطة، لاستخدامها وقت الحاجة ضد المعارضين، أو حتى لإرعاب من يقدمون على مجرد النقد العام لأداء السلطات.
4 – الفئة المهددة أكثر هي الصحافة الناقدة أو الاستقصائية، خاصة أنه لا يسمح للموظفين تقديم أية معلومة، والمصدر المخول هو الناطق الرسمي الذي لا يقدم الا معلومات هلامية لا تروي الظامئين الى المعرفة، لذلك جاءت عقوبة تقديم معلومات كاذبة مرعبة لتردع من يحاول التقصي عن الحقيقة.
هذا نزر بسيط من مخاطر اقرار هذه التعديلات، لذلك فرفضها والسعي لردها مصلحة وطنية عليا، ونحن لا نعول على مجلس النواب في ذلك، فلا أمل بأن يستجيب للمطالب الشعبية العارمة، فمنذ أن اصبحت انتخاباته تتم بقانون الصوت الواحد قبل عشرين عاما، بات يمرر كل تقدمه الحكومة.
تعويلنا على أن تُغلّب الدولة الحكمة، وحماية مصالح المواطنين على مصالح الفاسدين.

مقالات ذات صلة