Lebanon
This article was added by the user . TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

أبونا جوزف (بقلم حبيب البستاني)

حبيب البستاني -

أبونا جوزف
علّامة في الدين، أستاذ في الفكر، المفكّر الثائر، الراهب الأحمر، أستاذ الفلسفة، الباحث اللاهوتي، كلّ من عرفه وكثر من تلاميذه أطلقوا عليه كل هذه الألقاب. أمّا بالنسبة لي، فهو كل ذلك وأكثر؛ فهو عالم دين ودنيا، يسرد التاريخ بجرأة كبيرة قلّ نظيرها، يعشق الحقيقة حتى الثمالة، يتبنّى قضايا الحق ويدافع عنها تارةً باسمه وطوراً باسمٍ مستعار.
يوسف القزي... له نظرته اللاهوتية المميّزة، فهو يؤمن بالله بصلته الكونيّة وبعده اللامتناهي، وليس بمحدوديته بدين أو دنيا أو شعب، الله الممتدّ من الأزل إلى الأزل بعيداً عن رتابة النص أو حتى الكلمة، وهو حتى في بحثه عن الله بحث عن الحقيقة المجردة. فالله بالنسبة إليه هو المحبة التي لا تعرف إطاراً أو جغرافيا أو تاريخ، ونقطة على السطر.
فالعالم الممتدّ لأكثر من ستّة ألاف سنة والإنسان الموجود في كل هذا العالم هو نفسه منذ العهود الأولى حتّى يومنا هذا، وهو في مسيرةٍ دائمة نحو الله ونحو الخلاص، بغضّ النظر عن الطرق التي يسلكها، فالله هو الحق والحياة وهو الطريق، فلا حاجة لمن يدلّه عليه – إنّما هو يذهب إليه.
كلّ ذلك وأكثر هو يوسف القزي... ولكنّي، وبعيداً عن نظرة الفلاسفة واللاهوتيين والمفكرين أصحاب العلم والمعرفة، فإنّ ما شدّني إليه هو تعلّقه الكبير ببلدته الجية وبأبناء بلدته وعائلته؛ وهنا، لا بدّ أن أذكر أنّه وخلال سنوات الحرب العبثية التي عصفت بالجبل وساحل الشوف، كان لا ينقطع عن زيارة بلدته الجية وتفقد أهاليها، وذلك أياً تكن الطرق ومخاطر التنقّل، وكنت غالباً ما ألتقيه في حلّه وترحاله وكنّا نتبادل الأحاديث والتحاليل السياسية لما ستؤول إليه هذه الحرب ومدى عمق التدخّلات الخارجيّة فيها.
إلى أن سقطت الجية في 28 نيسان 1985 وتهجّر أهلها إلى المناطق الشرقية الخارجة عن السيطرة السورية في حينه، وكان لي شرف التعاون معه في سبيل مساعدة الناس وإيوائهم بشتّى الوسائل حيث كانت أبواب الكسليك مفتوحة أمامي ليلاً نهاراً.
وفي إحدى الليالي من العام 1985، أي بُعيد التهجير، تمّت دعوتي إلى الكسليك لأجد بونا جوزف والأباتي قزي وكوكبة من الرهبان متجمّعين والوجوم يعتلي وجوههم، وتمّ إبلاغي أنّه قد تمّ تدمير بلدة الجية بأوامر وتنفيذ من الحزب التقدّمي الاشتراكي، وكان أبونا جوزف يردّد "يجب أن نفعل شيئاً"، فاتّفقنا على عقد مؤتمر صحفي صبيحة اليوم التالي في المدرسة المركزية في جونيه، وقد أبلغني أبونا جوزف أنّه لا بدّ من أن يقوم أحد أبناء البلدة بعقد هذا المؤتمر، وبعد عدّة اتّصالات مع معظم فعاليات بلدة الجية، لم يتبرّع أحد للقيام بهذه المهمّة، فوليد جنبلاط حتّى وهو على بعد عشرات الكيلومترات، لم يكن يشكّل في حينه مصدر قلقٍ فحسب، لا بل خوفاً لدى المسيحيين المهجّرين... وبعد أن أبلغني أبونا جوزف بذلك قلت له بالحرف الواحد وبأعلى الصوت أنّني على استعدادٍ لعقد هذا المؤتمر... فنحن قد خسرنا بلدتنا وبيوتنا، لكنّنا لم نخسر كرامتنا! فما كان من الأبونا جوزف إلّا أن ربّت على كتفي وهنّأني وأثنى على موقفي الشجاع. وللحقيقة، لا بدّ من القول أنّ عدداً كبيراً من الرهبان من بلدة الجية إلى قدس الأباتي بطرس القزي كانوا مشاركين في هذ الاجتماع.
وقد حرص أبونا جوزف أن أقوم بقول الحقيقة وبدون لفٍّ أو دوران وتسمية المسؤول عن هذه العملية البربرية أي الحزب التقدمي الاشتراكي والجنبلاطيين، ولكن مع مراعاة اللغة الرصينة البعيدة كل البعد عن منطق التحدّي والعنتريات.
وهكذا، وطيلة سنوات التهجير، كان التعاون قائماً بيني وبين أبونا جوزف لحلّ مختلف المصاعب التي كان أهلنا يعانون منها لا سيّما في موضوع الإيواء والغذاء. وكان دائماً يقول لي في أية ساعة أو أي وقت يمكنك قصد الكسليك وذلك بعيداً عن الأوقات المحدّدة لزيارة الرهبان. لقد كان حبّه لبلدته وتعلّقه بأهاليها كبيراً جداً حتّى أنّه وهو على فراش الموت أراد الذهاب إلى الجية ليكحّل عينيه برؤيتها للمرّة الأخيرة؛ إلّا أنّ المرض كان قد استبدّ به فعاجلته المنية وهو لم يزل يحلم برؤية الحبيبة التي لم يستطع لقاءها... فحملها معه علّه يحرسها من عليائه ويسهر على أهاليها كما كان يفعل طيلة حياته.
أبونا جوزف كنت كبيراً في حياتك وكبيراً في مماتك وما يعزّينا جميعاً هو هذا الإرث الفكري واللاهوتي والفلسفي الذي تركته، والذي سيبقى ذخراً للأجيال القادمة ولطلّابك. أمّا أنا فاسمح لي أن أحمل ذكرياتك في جعبتي، لا سيّما شجاعتك وحبّك المتفاني لبلدتك الجية.