Morocco
This article was added by the user Anna. TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

بعض تجليات العنف المدرسي في "قسم 8"

يستعرض الفيلم المغربي “قسم 8″ّ* ظاهرة العنف المدرسي من زوايا مختلفة، وخاصة العنف الذي يمارسه التلميذ على الأستاذ داخل المدرسة وخارجها، فيحوّل حياته المهنية إلى جحيم لا يطاق، وتتسع رقعة هذا الجحيم عندما تطول يده الحارقة شؤونه الشخصية والحميمية. العنف المدرسي في الشريط تيمة مهيمنة تراهن بالصوت والصورة على تسليط الضوء على هذه الظاهرة، ليس لتكريسها وإعادة إنتاجها سلوكا وممارسة من ناحية التلاميذ، وإنما للفت الانتباه إليها وإثارتها قصد البحث والدراسة الميدانية لإيجاد الحلول لاجتثاثها أو على الأقل التقليص من انتشارها والحد من تفاقمها. وإذا كان الفيلم قد صدر سنة 2003، فإن ما يعرضه من مشاهد صادمة تربويا، لا تزال تعكس واقعا مدرسيا عنيفا، بل قد نقول أشد عنفا مما نشاهده في “قسم 8”.

والعنف المدرسي هو مجموع السلوكيات غير السوية وغير المقبولة تربويا واجتماعيا وأخلاقيا وقانونيا داخل المدرسة ومحيطها، بهدف إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي أو الرمزي بشخص أو جماعة، أو تحطيم وإتلاف ممتلكات مادية، أو التأثير السلبي على السير الطبيعي في المدرسة والإخلال بالنظام العام بها. يتخذ العنف المدرسي أشكالا مختلفة: عنف متبادل بين التلاميذ، عنف يمارسه المدرس على التلميذ أو التلميذ على المدرس أو غيره من الفاعلين، عنف بين المدرسين أنفسهم، كما يمكن للعنف أن يكون ذاتيا عندما يمارسه التلميذ على ذاته بإلحاق الأذى بها…

يبدأ الفيلم بفرحة غامرة لليلى أستاذة اللغة الفرنسية وقد تلقت تعيينها الجديد بثانوية على مقربة من إقامتها بالدار البيضاء، تظهر في منتهى الحماس والجدية والاستعداد النفسي الكامل لاستئناف العمل مع تلامذتها، لكن ما كان ينتظرها في قاعة 8 قد خيب أفق انتظارها. فمنذ حصتها الأولى، وبينما هي منهمكة في الدرس بتفاعل إيجابي مع التلاميذ، يداهم مجيد وصديقه ميلود الفصل في صورة ضاجة بفوضى عارمة، معرقلين إيقاع الدرس ومتجاهلين الامتثال لتنبيهٍ لا يخلو من صرامة من طرف الأستاذة: “non seulement vous venez en retard, mais vous perturbez le cours…”

إنها بداية الأزمة وانطلاق تَشكّل كرة الثلج نحو أستاذة قاعة ثمانية.

العنف الممارس على الأستاذة ليلى صريح ومباشر، ويبدو أنه ممنهج ويسير وفق خطة محكمة وإيقاع مضبوط، الغرض منه إلحاق الضرر والأذى بها عن طريق الشغب والتخويف والترهيب والتهديد والتلفظ بعبارات القدح والشتم، ومجيد لا يكتفي فقط بعرقلة سير الدرس والإخلال بنظام الفصل بشكل فظيع، وإنما يتجسس على الأستاذة ويتدخل في شؤونها الشخصية كتعقب خطوها وهي في طريقها إلى البيت، والحصول على رقم هاتفها، وترديده داخل الفصل -وهو يداعب ولاعة مشتعلة- مقطعا من أغنية تتقاسمها مع خطيبها، بالإضافة إلى كيل السب والشتم والإهانة لأمّها في ليلة ظلماء وعلى مسمع ومرأى الجيران.

يتّقد توتر الأستاذة ليلى بشكل جليّ في غرفتها وهي تسعى إلى الرد على مكالمات واردة من مجهول، لكن دون جواب، ومصدر رنين هاتفها المتكرر هو التلميذ مجيد. يبلغ توترها ذروته داخل القسم وهي تواجه من جديد عربدة مجيد المعتادة وكلامه السفيه اللاذع الموجه إليها مباشرة، وبعد محاولات عدة للحد من شغبه وشغب رفيقه، تضطر في إحدى الحصص إلى طردهما من القسم وهي في حالة هستيرية بعد أن تجاوزا كل الحدود التربوية والأخلاقية والاحترام الواجب للأستاذة، فتسقط مغمى عليها أمام أعين تلامذتها. تصرفات مجيد العدائية والعدوانية المقصودة والمبنية على المضايقة الشديدة والتفاعل السلبي والاعتداء والإيذاء دمرّت الأستاذة ليلى نفسيا، مسببة لها انهيارا عصبيا وحالة اكتئاب حاد.

ليست الأستاذة ليلى الضحية الأولى لمجيد وتابِعه ميلود، بل ضحية سابقة لها هي أستاذة الانجليزية الدرقاوي التي قضت السنة الماضية شهرا في المستشفى نتيجة انهيار عصبي -هي أيضا- حسب ما صرح به أستاذ لزميله داخل قاعة الأساتذة، كما ورد في حوارهما أن مجيد وميلود كانا يعترضان سبيل الأساتذة ويهددانهم… مما يدل على أن هذين التلميذين يعيثان في المؤسسة شغبا وفوضى منذ السنة الماضية على الأقل، وأن الأستاذة ليلى لن تكون الحلقة الأخيرة في سلسلة ضحايا مجيد وميلود في غياب حل لهذا الإيذاء والتدمير.

إن ما يقع في قسم 8 لا يتوافق مع ما ورد على لسان مدير المؤسسة وهو يستقبل الأستاذة ليلى في أول لقاء: “هذه المؤسسة… يضرب بها المثل في حسن السلوك والشهامة وهي عنوان التربية والتكوين…” هذا التناقض بين القول والفعل يجعل الأستاذة تواجه وحدها داخل الفصل وضعية نفسية وأخلاقية غير طبيعية في غياب أدنى دعم أو مشاركة من طرف الإدارة، وعلى رأسها المدير الذي من المفروض أن لا تقتصر وظيفته على التسيير الإداري فحسب، ولكن أن تشمل -أيضا- رعاية الجانب التربوي والاجتماعي والنفسي لتلامذته، وبتآزر كل الفاعلين لحلّ المشاكل المطروحة مهما تنوعت بروح تربوية مسؤولة، لكن هذه الروح يفتقدها المدير على ما يبدو، وما يؤكد هذا، توبيخه الأستاذة بلغة سلطوية آمرة وغير قابلة للرد أو الحوار، بدل الإنصات إليها لمعرفة خلفيات المشكل ومناقشة دوافعه (الموضوع بالنسبة إليّ انتهى، اعتبري هذا إنذار شفوي)، وقد نجده على غير علم بتلميذين “نار على علم” في مؤسسته اسمهما مجيد وميلود.

ومن الصور الأخرى للممارسات العنيفة لمجيد ورفيقه داخل المدرسة، الاعتداء على زملائهما بالدفع واللطم والشتم والاستفزاز والتهديد، وأكثر من هذا عرقلة حقهم المشروع في الانتباه والمشاركة والتحصيل، إلا أن التلاميذ ضاقوا بهما ذَرعا، فينقلب العنف هذه المرة في اتجاه مجيد باستعمال القوة الجسدية، حينما انهالت عليه مجموعة من زملائه وهو ملقى على الأرض بالضرب واللكم والركل، ليمتد العنف من داخل المدرسة إلى محيطها الذي عرف قبل هذه الحادثة اعتراض مجيد طريق فتاة وتدخلا عنيفا لخطيب الأستاذة في حقه محذرا إياه من إيذاء خطيبته.

تنقلنا الكاميرا في أحد المشاهد إلى بيت مجيد: غرفة من دور الصفيح تؤدي كل الوظائف (الاستقبال، الطبخ، التصبين…) يتحرك بداخلها مجيد كثور هائج يبحث عن مخدرات تخلصت منها والدته، تمتد يده بشدة نحوها ليحصل على محفظة النقود، وبعد التأكد من فراغها يلقي بها في حنق، يتوجه نحو أبيه النحيل الكسيح الممدد على فراش، يسقطه أرضا وهو يسحب بتصلّب من يديه مسجلة، وفي طريق انصرافه يضرب بقدمه “وعاء التصبين”، ثم يغادر “البيت” في غضب هائج يلاحقه صراخ والدته المشوب بدعوات الغيظ والانكسار. سلوك مجيد الإيذائي تجاه أفراد أسرته يعمّق معرفة المشاهد بهذه الشخصية ويقربه من قسوتها أكثر فأكثر، لكن يثير في نفسه -أيضا- سؤالا محوريا: هل العنف طبيعي في شخصية مجيد؟

في لحظة مباغتة، يشعر مجيد بهيجان الإقصاء من طرف جماعة القسم، وبخاصة رفيقه ومسانده ميلود الذي تخلى عنه وقد قرّر تغيير المقعد والاهتمام بدروسه كباقي زملائه، لحظة فجرت في مجيد عنفا أشد قسوة وضراوة من ذي قبل، لكن هذه المرة تجاه نفسه بدل غيره.

لم تكن رغبة مجيد في التخلص من الحياة أمام أعين زملائه وأستاذته، إلا كشفا عن الجزء الخفي لجبل الجليد الموغل في العمق والصمت. وعلى حافة الموت ومن خلال حوار حزين، لكنه دافئ بالصدق والمحبة والاحتضان والمسؤولية، ينطق باطن مجيد فينجلي المستور، وعبر بوحه الدامع تنثال صور من الفقر والبؤس والمرض والتهميش وفصول من المعاناة. تمدّ له الأستاذة ليلى يدها، وتحت مفعول مؤثر لكلامها يتراجع مجيد عن فكرته السوداء، لتنتهي قصة الفيلم بنهاية مغلقة يبدو فيها مجيد سعيدا يغني ويرقص بجانب أستاذته وزملائه في نشاط مسرحي بالمؤسسة.