Morocco
This article was added by the user . TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

المدلاوي ينبش في هجرة اليهود من المغرب وبزوغ "الصهيونية السياسية"

حول تاريخ مفاهيم “العبري” و”اليهودي” و”الصهيوني” و”الإسرائيلي” وتطور الفكر الصهيوني، تفصل ورقة للباحث المغربي في اللسانيات محمد المدلاوي في التكوّنات والاستعمالات والنتائج.

وكانت هذه الورقة محاضرة افتتاحية قدمها الباحث في المعهد الجامعي للبحث العلمي، وينطلق فيها من بدايات التسمية الخاصة بالجماعات اليهودية.

ويكتب المدلاوي أن المرجع الأساسي لروايات ظهور عشائر من الشعوب السامية عُرفت بـ”العبريين” أو “العبرانيين” هو التوراة، أو “التاناخ” عند اليهود الذين عرفت اللغة العبرية منذ القدم بنسبتها إليهم؛ وهي عشائر كانت تتحرك، حسب هذا الكتاب المقدس، بين بلاد الرافدين وبلاد كنعان، واستقر قسم منها، هم أبناء يعقوب الملقب بـ”إسرائيل”، لأجيال في بلاد مصر، وبقيت تنتسب إلى سلفها الأكبر إسرائيل ويطلق عليها هذا الاسم كجماعة، وهناك “ظهرت تلك الجماعة بقيادة موسى كـ”شعب ذي رسالة”؛ شعب آمن بأن الله اصطفاه ليحمل رسالة الاستخلاف”.

ويواصل الباحث: “بعد انقسام مملكة داود وبعده سليمان إلى مملكتي “السامرة” و”يهودا”، كان الدين اليهودي “دينا شبه وثني، من حيث كون بُعد التوحيد فيه مقترنا ببقايا وثنية الربوبيات المتعددة، من خلال ارتباطه بالهياكل المقدسة، وبمذابح القرابين، وبتجسيد الذات الإلهية، وإضفاء صفات البشر عليها من حب وبغض وغضب وانتقام وجزاء وجبروت”.

أما على الصعيد السوسيو-اقتصادي، يتابع المدلاوي: “ظل بنو إسرائيل مثل أسلافهم العبريين مرتبطين باقتصاديات الأرض، كرعاة (…) ومزارعين”.
وحول ظهور تسمية “اليهود” سجل الكاتب أنه “بعد تخريب الهيكل الأول والجلاء إلى بابل، ظهرت تسمية اليهود في بعض أسفار الكتاب المقدس، نسبة إلى مملكة يهودا”، وبذلك “وردت تلك التسمية في القرآن من باب التجريح في غالب الأحيان (…) بينما يرد فيه اسم “بني إسرائيل” في باب التبجيل والتفضيل في غالب الأحيان”.

وتوقف المدلاوي عند “انعكاسات الجلاء النوعية على مستويات متعددة بالنسبة للجماعات اليهودية”، حيث “اختفت المظاهر شبه الوثنية” من “هياكل مقدسة، ومقامات كهنة، ومذابح قرابين…”، بسبب “تعذر ممارستها في المنفى لعدة قرون”؛ وهو ما نتج عنه “بالنسبة للجاليات اليهودية، أينما كانت ببابل، كنعان، الأسكندرية، شمال إفريقيا، الأندلس، وسائر أوروبا، أن أصبح نص الكتاب المقدس قِبلة تلك الجماعات، ومركز اهتمامها بدل الطقوس الكهنوتية التي لم تعد ممكنة لارتباطها بالأمكنة”.

ووضح الباحث أن “التركيز على نص الكتاب المقدس” ترتب عنه تطوير “ما يلزم لذلك من جعل تعليم القراءة والكتابة قيمة سامية”، وهي “تقاليد تربوية تعليمية”، أبرز باحثون “تميز الجماعات اليهودية بها في محيطاتها”، وأفضت “خارج دائرة مجرد الشأن الديني، إلى تحول نوعي في سوسيو-اقتصاديات الجماعات اليهودية، على الأخص مع قيام الإمبراطورية الإسلامية العباسية وتطور العلوم والصناعات، وتوسع رقعة المبادلات التجارية المؤمنة في ظل الإمبراطورية، وحاجة كل ذلك إلى مختلف أنواع الخدمات الضبطية والتوثيقية والصَّيْرَفية، وبداية مظاهر ما سيعرف في العصور الحديثة بـ(العملة الكتابية)”.

وهكذا، يزيد المدلاوي: “تطورت في صفوف تلك الجماعات قيم سوسيو-ثقافية جديدة، ترفع من شأن المهن الحرة التي تتطلب تأهيل مهارات تكوينية، وتحتقر وتزدري وضعية ما أصبح يسمّى في صفوفها قدحيا: (…) “عام هأريتص” (ناسُ الأرض)؛ أي الأميون الذين يكسبون قوتهم مرتبطين بالأرض رعيا أو زراعة”.

وفي العصر الحديث، يفرق عالم اللسانيات، بين مفهومين للصهيونية: الصهيونية بوصفها فكرا صوفيا، من نوع المَهْدَويّات، تطور منذ ما يعرف بالأزمنة التوراتية، والصهيونية بوصفها حركة سياسية تنظيمية أنتجت لنفسها أدبيات متنوعة ابتداء من القرن التاسع عشر وتظل فاعلة في الميدان إلى اليوم.

الصهيونية الأولى بوصفها فكرا صوفيا، يشرحها الباحث بكونها توقا إلى “تحقق بشرى نبوءة جبل صهيون، كما وردت في سفر إشعيا”، وتبقى “توقا صوفيا إلى تحقق تلك البشرى بالاستعداد لها بالتقوى والسمو الروحاني”، دون أن تتضمن أدبيات الصهيونية الدينية الصوفية “أي أسلوب “عملي جمعي” دنيوي لـ”التعجيل” بتحقيقه بتدخل بشري في مسرح التاريخ”.

أما “الصهيونية كحركة سياسية تنظيمية ذات برنامج دنيوي تاريخي”؛ فقد ظهرت حسب المصدر نفسه، في القرن الـ19، بعد “الحركة الفكرية المعروفة في صفوف يهود أوروبا الشرقية على الخصوص، بفكر (الهاسكالا) في القرن الـ18″؛ وهو ما يرى أنه “الانعكاس أو الصدى المقابل لفكر (الأنوار) في أوروبا عامة”.

حركة الهاسكالا هذه “كانت تدعو إلى خروج الجماعات اليهودية من “قوقعة الفكر الديني اليهودي” للقرون الوسطى، والاندماج في المجتمعات المدنية لبلدانها”؛ لكن احتداد “الهجومات الجماعية على الأحياء اليهودية”، في أوروبا الوسطى والشرقية على الخصوص، مع بداية ظهور القوميات وتأسيس الدولة الوطنية، إثر ضعف ثم انهيار الإمبراطوريات النمساوية والقيصرية، وبسبب “تمثلات الجمهور للجماعات اليهودية كجماعات تجارة ومال ورأسمال”، إضافة إلى “تمثلات أخرى ذات أسس دينية متعلقة بقصة دور طبقة ربّيي اليهود في صلب المسيح، كما وردت في الأناجيل”، قد وضعت حدا لـ”جاذبية الدعوة الهاسكالية إلى اندماج الجماعات اليهودية في الدولة المدنية لبلدانها”.

إثر هذا، يسجل المدلاوي، ظهور “فكر نقيض للهاسكالا، تنامى في إطار سيادة فكر القوميات في أوروبا”؛ وهو فكر “صهيونية سياسية يقوم على أساس أن ما كان يعرف في أوروبا بـ”المسألة اليهودية” لا يمكن أن يجد حلا سوى بإيجاد (وطن قومي لليهود)”.

هذه الصهيونية السياسية ذكر الباحث أن ثيودور هيرتزل نذر حياته لوضع خطاطته الأولى انطلاقا منها، وتفاوض على اقتراحات مختلفة لهذا “الوطن” لكونه “كان جد براغماتي في عمله، ولم يعرف عنه تدين ممارسة أو اعتقاد بالنبوءات الصهيونية بمفهومها المهدوي/المَسيحَانِيّ (…) وإن كانت الصهيونية السياسية قد انتبهت بعد ذلك إلى استغلال هذا البعد الصوفي في التعبئة من أجل الهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي وإقامة المستوطنات الرائدة، ومن بعد ذلك إلى إسرائيل بعد قيام الدولة”.

وتحدث الباحث عن “احتدام حركة الهجرة المغربية، في شقها المتعلق بالجماعات اليهودية” ابتداء من خمسينيات القرن العشرين؛ حيث صار يغلب عليها الاتجاه نحو إسرائيل المعلن قيامها، بعد أن كان “يغلب عليها التوجه إلى أمريكا الجنوبية خاصة منذ القرن الـ19، سعيا وراء فرص المبادرات الحرة”.

وإضافة إلى استثمار “الحركة الصهيونية السياسية” لأبعاد “فكر الصهيونية الصوفية المهدوية”، فقد استغلت كذلك، في خطابها الموجه للجماعات اليهودية المغربية؛ “بُعد الثقافة السوسيو-اقتصادية الجديدة للجماعات اليهودية” أي “ثقافة فك الارتباط بالاقتصاد المرتبط بالأرض، والبحث عن فضاءات المبادرة الحرة للاستثمار في القيم المحمولة”، ومحاولة تصريف محركات تلك الثقافة نحو إسرائيل.

وقدم المدلاوي نموذجا لهذا بقصاصة صحفية من الصحافة العبرية، مؤرخة بـ 23 دجنبر 1950، محرّرة بالدارجة المغربية المُهَوَّدَة، مكتوبة بالحرف العبري “تغري اليهود المغاربة بالهجرة إلى إسرائيل من خلال عرضها لشروط نجاح الأعمال والمبادرة”. كما عرض قصاصة، من أواسط الستينيات، تخوّف من الآفاق “غير الباعثة للثقة”، التي تلوح في نظرها في الأفق “من خلال خطاب وسياسة المغرب المستقل”.