Morocco

المسناوي وَلِـيُّ الشعر الصّادق

إدريس المسناوي واحد من أولياء الشعر الصالحين في تيفلت من دون شك، زرته في مدينته الصغيرة ذات مرة قبل عشر سنوات، حدث ذلك مساء، قبل أن يُسلم النهار أمره لخيوط ظلام بدأت تزحف ببطء على هضاب "وادي بهت"، والسيارة تطوي في جنون ما تبقى من مسافات إلى المدينة الصغيرة، تلتهم في جنون خطوطا بيضاء وسط الطريق أصبحت تبدو أكثر بياضًا ووضوحًا، وعلامات التشوير أكثر لمعانا، مشيرة إلى منعرجات تتناغم مع جرات أوتار الكمنجات المبحوحة وحناجر أطلسية موغلة في الأنوثة، وهي تصاحب إيقاعا زمّوريًا خالصًا.

كان جسدي المنهك بالسفر قد بدأ يتمايل في صمت مع كل منعطف بكل حمولاته الأنثوية المركونة في مخيلتي المثقوبة، يتلوّى أمام ذكريات الفحولة المنسية في بادية تاونات، وجسد طفولي مازال نابتا هناك في رُبى "أيلة" قريتي، يهتز صيفا في رُكوح الدّور المتربة وساحاتها المسيّجة بأغصان التين والزيتون الطائشة، وفي أعراس الصيف وفوق السطوح أو في سهرات السبت التي تعيدها تلفزتنا الوطنية بدون حشمة مرارًا وتكرارًا.

يقول المسناوي في "الجسد"*

نحل عين الأحلام

تشوف بعيد من راس العام

نوسع ربوع العالم

نزيد فيه شمس وقمرة

نوسع خاطري

نزيد فيه روح أخرى

هكذا تصبح الأحلام عند الشاعر ادريس المسناوي عوالم يتحكم في جغرافيتها، والجسد مساحة على مقاسه يزيد أو ينقص من أضلاعها، يوسع في خاطرها حتى تتسع لأرواح وحيوات أخرى. تذكرت جيدا، وأنا في طريقي الليلي إليه، صوتا وقورًا وخافتا يصلني تباعا عبر الأثير: "يشرفني أن تحضر تكريمي أواسط أكتوبر..."، لم يكن المتلقي حينها غير هذا العبد الضعيف الذي يحاول جاهدا رسم ملامح لطريق صعب، وكان المتكلم على الطرف الآخر مولاي إدريس أمغار المسناوي شيخ الزجالين بالمغرب. عرفت حينها كم كان متواضعا وكبيرا ذلك المبدع "شيخ الضّوء"، في زمن هوت فيه قيم الإنسانية إلى القاع، وصولا إلى أسفل شطر في قصيدة زجلية رديئة. كان ومازال وحده القادر على تعليم المتكبرين الصغار متى يتواضعون، كيف يحافظون على مكانتهم في القمة إن وصلوها.

في المطعم، وبعد انتهاء التكريم، كنت أتلصص عليه، وإذا هو يستمع في خشوع الناسكين-الزاهدين إلى قصائد تتلى، وأصوات شابة بدأت تشق طريقها الصعب إلى قمة القصيدة.

ويتابع المسناوي في "الجسد"

الأفضل نبقى لذاتي

حتى ندرك حواسي

نعرف كيف تتعايش الحياة بيّا وبلا بيّا

نرد على صيادين المعيز في سمايا

شكون قاليكم

أنا ماشي معايا...!!

لا نتكلم هنا عن محمد السرغيني بصفته شجرة شعرية وارفة الظلال في فاس الكبيرة بعمرانها وتاريخها، لكن عن أسماء أخرى كبيرة أيضا، لكنها نبتت في الهامش أو المدن الصغيرة: تازة وأحمد بوزفور، شفشاون وعبد الكريم الطبال، تافراوت ومحمد خير الدين، أو مدينة تيفلت التي "قد ذراعها، قد لسانها" كما في هوامش أخرى بعيدة يصعب حصرها، كما يقول المسناوي وليها الصالح في الشعر، أعطت ووفت هذه المدينة الصغيرة بوعدها، هي التي كانت دوما ولودا ومعطاء: المرحوم إدريس بنزكري، المناضل الحقوقي الذي قضى ردحا طويلا من عمره في سجون الجمر والرصاص، المرحوم سعيد بلقولة، أول حكم مغربي وعربي-إفريقي يقود نهائي كأس العالم سنة 1998 بفرنسا.

أما الشاعر إدريس أمغار المسناوي، يكفيه أن يكون ذاكرة شعرية لمدينة أمازيغية صغيرة في مغرب كبير اسمها تيفلت وذاكرة الإنسان المهمش في كل مكان، إنه مبدع عالمي في جبة زاهد متحضر يعشق العيش في البادية، بعيدا قليلا عن مدينته المنسية وسط قبائل زَيان لولا وجودها في طريق محوري نحو مركز الرباط على المحيط الأطلسي، لذلك كان من حق تيفلت أن تفخر به كهرم من أهرامات قصيدة الشعر العامي-الزجل وأحد أهم ركائزها.

أهدافي حية

تجي قدّام الزمان

من قال بعت ضوّي للشيطان؟

وانا طالع نملك يقين الغابة

من حياة الإنسان

هكذا هي كلمات مولاي ادريس أمغار المسناوي، تخرج من فمه حروفا يبعث الرّوح والوزن في إيقاع كلماتها، تصبح سحابات ناصعة في بياضها حين يسوغها، زفرات أو جمرات حارقة في معانيها حين يضمها أو صورًا ملونة لأميرات تختال في مشيتها...!!

*"الجسد": ديوان شعري للزجال المغربي إدريس أمغار المسناوي

Football news:

De Ligt on 2:1 with Ferencvaros: Juventus needed to move the ball faster and act more assertively
The minges on debut for Barca: Very happy. I hope this is the beginning of something big and meaningful
You can ask in the locker room if you have the guts. Tuchel-journalist asked about the quality of the PSG game
Morata on 2:1 with Ferencvaros: it Seemed like a match 20 years ago. They played defensive football
Juventus for the first time in the 123-year history of the club played without the Italians in defense and goal
Koeman on 4:0 with Dynamo Kyiv: Today was the Barcelona we want to see
Holand continues to insist that he is a monster. Fastest in the history of the Champions League scored 15 goals (and added 16)