Morocco
This article was added by the user Anna. TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

عن السِّباق المَحمُوم لمَارَاطُونات الانتخابات الأخيرة!

عرفنا في الأيام الأخيرة سباقات مَحْمُومة على كراسي البرلمانات، وأرائك المجالس الاستشارية وسدّة الوزارات، بعد أن شكّلت عند المتبارين، ولدى المتسابقين، أولىَ الأولويّات وأمّ الغايات.

علّقوا اللاّفتات، ونمّقوا الشّعارات، ورفعوا الأعلام والرايات، وصاحت الحناجر وانطلقت الأصوات في مختلف الميادين والساحات: لا تبالُوا بعذب الخطابات، وطلاوة البلاغات ووعود تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات، تكاثرَت الاكتظاظات، وزادت، وتفاقمت الازدحامات، وانطلقت الحافلات، والسيارات والتّرامات، مُحدثةَ لَجَباً، ودَأَباً، وصّخَباً، وصياحاً، وضوضاءً، ونقعاً، وعجاجاً، وضجيجاً في مختلف الأزقة والشوارع، والدروب والطرقات، كان الناس خلال الأيام الفارطات في حيرةٍ، وقلقٍ من أمرهم، تائهين في شدوهٍ، واندهاش، وانبهار في الغدوّ والرّواح، الكلّ كان يركض، ويهروِل في مختلف الاتّجاهات؛ إنه موسم الانتخابات، وأيام المُواجهات والرّهانات، بُحّت الأصوات، وتحشرجتِ، وتغصغصتِ الحنجرات.. وأغدقت العطايا والمطايا والهبات، وخفقت الأفئدة، ونبضت القلوب، وطفحت الألسنُ، والأجنان بفيضٍ من المفاخرات، والمهاترات، وازدانت المَظاهر والهالات، وكثرت الحُفرُ، والأعطاب، والمطبّات في الحواضر، والمدن، والقرى، والمداشر، والضّيع والأرباض والجهات لكثرة توارد الحافلات، وتكاثر السّيارات ذات الدوافع الرباعيّات، وتقاطر الدرّاجات النارية منها والهوائيّات، وتراكم الجرّارات، وتفاقم الاكتظاظات.

كانت الأصوات لا تنقطع من الصّيحات: يا عبادَ الله، اسمعوا وعُوا.. كثير من الناس قبلكم قد انخدعوا.. فافتحُوا أعينَكم جاحظةً وألبابَكم وتشجّعُوا..إنهم يسعونَ إلى أن يصبحوا مُمثّليكم، وتقلّد زمام أموركم فلا تتراجعوا.. لقد أودعتم أصواتكم في الصناديق الزجاجية الشفافة وتدافعتم.. بعد أن أكلتم، وازدردتم، وتفكّهتم وانتشرتم، وجُبتم أراضي الله الواسعة فافرنقعُوا.. وترقّبوا، وانتظروا يومَ الحسم، والحِساب والعِقاب، والفرز، والإحصاء حتى تنفعُوا وتستنفعُوا.. !.

خصُومُكم الأبعدون والأقربون يُجيدون هذه اللّعبة، إنّهم بارعون في حبكها إلى درجةٍ تحار معها وبها الفِكَر، وتزيغ لها العقول، لديكم الكلمة التي كنتم في ما مضى أسيادها، وأربابها، كنتم تكتبونها بماء الذّهب الإبريز، والّلجين الخالص اللمّاع، لكنكم لا تعرفون كيف تحافظون على توازنكم واعتدادكم، جرفتكم تيّارات الكلم حتى نسيتم أو تناسيتم قضاياكم، وقضايا مواطنيكم، لقد وضعتم المناشير، وطبعتم المطبوعات، وأعددتم البرامج، ورسمتم الصّور المُعبّرة، والرّموز المُوحية، والشّعارات المُوفية، ونظمتم الأشعارَ، وسطّرتم الملاحمَ، تدافعون فيها وبها عن آمالكم، وتطلعاتكم، وَتَوْقكم للأعالي السّامقات، وتواترت وتوتّرت معاناتكم من أجل الظفر في هذا السّباق المحموم، والفوز في هذا اللحاق المعلوم، وبلوغ الأماني، والآمال والمعالي التي تترى، وتتوالى نصب أعينكم، ولا من حسيب ولا رقيب. إنكم ما فتئتم موثقين إلى ماضيكم العتيد، وعزّه المجيد، مازلتم أسرى أنفسكم، وما سيطر وهيمن عليها منذ سنوات طويلة خلتْ من عوائد وتقاليد وعادات، ومنذ عقود متعاقبة مَضتْ، وقرون متواترة انصرمت، ما فتئتم مغرمين شغوفين في حبّكم للكلمات المُنمّقة، وهيامكم بالبلاغة المُوشّاة، حتى حادت بكم المُواجهات إلى مشاكسات جانبيّة، حزبية ضيّقة غلبت عليها المصالح.. الصّالح منها والطالح، ليس لتباينكم حول المضمون، بل في اختلافكم على الشّكل في نضالكم، وتفانيكم في الذود عن حقوق المواطنين، وصَون متطلباتهم الضرورية، وكلّ ما يمتّ إليهم بصلة في القضايا، والحقوق، والسّجايا، والمزايا، والمنافع، والبُعد عن العقوق؛ حتى إن اقتضى الحال فإنكم لا تتورّعون من استعمال البيادق، والبنادق، والأنفاط والمدافع من الكلمات المُدويّة من أجل المنافع.. إنكم بناة حضارة عريقةٍ حقّاً، ولكنّها حضارة طغى عليها الكلام.. تضاهيها، وتشابهها، وتدانيها مرتبةً حضارة الزّخارف المنمّقة التي تظهر جليّةً ومُجسّمةً في أعمدة بناءاتكم، وقِباب دوركم، وداخل الباذخ من بيوتاتكم، والسّامق من قصوركم، والمنيع من حصونكم… إنّه التجسيد الحيّ لحضارة القول، ممّا شاع وذاع، وملأ بيننا الآذانَ والأسماع، من أنواع الأنغام، والترخيم، والأسجاع، في مختلف الضّيع، والبقاع، والأصقاع…إنّه سرّ الصناعتيْن اللتيْن طبعتا حياتكم قديماً وحديثاً، وألّف عنهما أجدادُكم الميامين الأسفارَ، والكتبَ، والمجلّدات، بشروحهما، وحواشيهما، وشواردهما، ومتونهما، وهوامشهما، وتذييلاتهما، وتعقيباتهما ومثانيهما.

خلال هذه الأيام الماراطونية الحاسمة لم تُغمض لكم جفون قيد أنملةٍ، ولم تأخذكم سِنةٌ ولا غفوة خلال الليالي الخوالي، فمَنْ طلب منكم المعالي كان عليه سهر الليالي، وأحجية فقهاء الجِدّ والاجتهاد، والعلم والتحصيل والإسناد، تقول على سبيل الدعابة والمزاح: “إذا أردتم الكرامة… فقولوا للكرى مَهْ!”.

مازال البّعض فيكم يعاني من طغيان عواطفه على عقوله، واستئثار أحاسيسه عن أفكاره، وليس عيباً فيكم إن كنتم بلغاء أثناء حملاتكم الانتخابية حامية الأوار، لقد شنّفتم أسماعَنا بخُطبِكم البليغة العصماء، وألهبتم حماسَنا وحواسّنا بوعودكم الصَمّاء، في سباقكم المحموم إلى باحة القبّة المخمليّة الفيحاء، وإلى مرتبة الصّدارة والرِّفعة الاستوزارية العلياء؛ فهذه مفخرة ومأثرة، وميمنة، ومبرّة لكم، ولا عليكم.. فالخطابة فنٌّ عريق، وإبداع أنيق، عند مختلف الأمم القديمة، وعند كلّ الشعوب العريقة. كانت أمثالكم مبهورة بإجادة فنون القول.. ألم يفرد لها أرسطو كتاباً بعينه؟ بلى إنه فعل..! ولا بدّ، ولا جَرَمَ، أنكم حفظتموه عن ظهر قلب، وآليتم على أنفسكم أن تبلوا البلاءَ الحسَن في حملاتكم.. وها قد فعلتم.. عيب هذا الفنّ أنّه قديم وعتيق أكل الدهرُ عليه وشرب.. وغنّى ونامَ وطرِب..! إنه يضاهي فنّ المسايفة الذي لم يعد له وجود بيننا سوى في مبارياتكم الرياضية الوطنية منها والدولية، وهي تكاد أن تكون حاضرة في كلّ وقتٍ وحين في خلافاتكم الكلاميّة، ومشاكساتكم، وشنآنكم، ونضالاتكم الهجومية اليوميّة. إلاّ أنكم مللتم، وسئمنا معكم هذه الكلمات المكرّرة المتواترة التي طالها الوَهَن، وأصابها الدّرن، وتراخت لُحمتها، وأصبح بعضُها يثير فينا وفي أنفسنا اشمئزازاً، وقرفاً، وتقزّزاً، وضنكاً، وكدراً، وازدراءً وسخريةً لا حدّ ولا حدودَ لها …!.

إنّها جعبة الأيام، أو لعبة “الشطّار” التي يهيم بها الأنام، أو فلنقل لعبة “الشطرنج” التي يُغري فيها البعضُ ببيادق عديمة القيمة والجدوى، لينالوا مبتغاهم في تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات السياسوية المنشودة للعودة والرجوع إليها، إلى الكراسي الوثيرة، والطنافس الرطبة المُريّشة الأثيرة.

كانت حملاتكم المُحتدمة حامية الوطيس استمرت أياماً إلاّ أنها لم تخلُ من مواجهات، واشتباكات وملاسنات، ومجابهات، وتطاولات، واتّهامات.. ولم تُحترمْ، ولم تراعَ فيها وخلالها أصول وقواعد “لعبة الديمقراطيات” التي يتغنّى بها الجميع في مختلف المحافل والقاعات، وتبرعون في تنميقها، وتزويقها، وتطويرها، وتمطيطها واستعمالها بكلّ ما أوتيتم من قوّة، وجلدٍ، وبأس، وكثافة، وزخم بدون هوادة كذلك في أحدث وسائل الإعلام، والتبليغ، والاتصال، والتواصل الاجتماعي عبر مختلف العناكب والشبكات التي تملأ رؤوسَنا، وتقتحم دورَنا، وتغشى مقاهينا، وتغمر قاعاتنا، وواحاتنا، وباحاتنا، وأجواءنا ليل نهار في تلك العوالم الافتراضية الزرقاء المثيرة.

ناهيكم عن المآدب، والولائم، والعزائم، والمكارم، والحفلات، والسّهرات، والتجمّعات، والملتقيات، والندوات التي أقمتموها بسخاء منقطع النظير في مختلف ربوع البلاد، وأرباضها، والتي دُعِيَ إليها كلّ الناس وكلّ العباد.. لقد أجمعَ الجميع بالإجماع على أنها كانت فوق الوصف، وفوق التصوّر، وقد سَمَتْ عن كل نقد، وعلتْ على كلّ تعليق.. لأنها اتّسمت بأفخم مظاهر البذخ الباهظة، وبأفخر صور البهرجة والزّينة الزائدة.

وقيّض الله لنا أن نتابع لقاءاتكم، ونرصد تحرّكاتكم، ونتابع مسرّاتكم، ونهنأ بسكناتكم، ونصغي إلى هرجكم، ومرجكم، ونستمتع بمرَحكم وجذلكم على مضض. وكان من نصيبنا خلال هذه الحملات أنْ صُمّت آذانُنا بزمّارات مُنبّهات سياراتكم، وحافلاتكم، وجرّاراتكم، في مختلف ربوع الوطن الغالي الحبيب من وجدة إلى طنجة.. ومن طنجة إلى الكويرة؛ وفعلتم كلّ ما في وسعكم، وأفرغتم كلّ ما في جُعبكم لتحقيق رغباتكم، وأحلامهم، وبلوغ أهدافكم وإدراك مآربهم، وتحقيق غاياتكم وطموحاتكم وتطلّعاتكم.

خلال الأيام العصيبة الماضية، دغدغتم عواطفَنا، وأسعدتم أنفسَنا، وأنعشتم أرواحَنا، وحرّكتم لواعجَنا، وها قد مرّت أيّام الحَسْم وفتحت الصّناديق الزجاجيّة الشفّافة التي وُضعت في بطونها آمال شعبٍ طيبٍ، مِضياف كريم. وقديماً، صدحَ تحت سماء أرض الكنانة الفيحاء صوتُ ملائكيّ رخيم لمُطربة رّقيقة الأحاسيس (صغيرة) شهيرة، حيث قالت ذات يوم: “ما أحلىَ الرّجوعَ إليها..”، وها قد رجعتم وتربّعتم واستويتم على كراسيكم الوثيرة فلا تخدعوا، ولا تنخدعوا، ولا تخذلوا، وكونوا في مستوى المسؤوليات الجسيمة، والأحمال الثقيلة التي وضعتها هذه الأمّة العريقة على عواتقكم، وعلى كواهلكم، وعلى ظهوركم!. ولا تنسوا أو تتناسوا، بل علينا أن نذكّركم بما جاء في محكم كتاب الله العزيز : “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”.