Saudi Arabia

في ظل صراع الإمبراطوريات.. هكذا رسمت شركة الهند الشرقية خرائط الخليج العربي

وفي محاضرة نظمتها مكتبة قطر الوطنية تحت عنوان "الأسطول الهندي ورسم خرائط الخليج 1612–1947" ألقاها الباحث البريطاني جيمس أونلي، تناولت رحلة هذا الأسطول مع مياه الخليج، منذ الخرائط المشوهة التي غلب عليها التخمينات، وحتى الخرائط الواضحة ذات التفاصيل الدقيقة التي قدمها الأسطول عام 1825.

بدأت حكاية رسم خرائط ساحل الخليج العربي مع تأسيس أسطول شركة الهند الشرقية عام 1613، وتكون من مجموعة كبيرة من السفن الشراعية المزودة بضباط بحرية بريطانيين، وكان دوره ينصب على حماية السفن والتجارة وحماية الإمبراطورية المغولية من القرصنة، ومن القوات البرتغالية التي كانت تشكل تهديدا خطيرا، إلى أن استطاع الأسطول الهندي بالتعاون مع قوات الشاه الصفوي عام 1722 طرد البرتغاليين من مضيق هرمز.

القضاء على القرصنة
رحيل القوات البرتغالية عن مضيق هرمز شكل حلا جزئيا لحرية الملاحة في الخليج العربي، حيث كانت لا تزال أعمال القرصنة تشكل تهديدا على الملاحة في تلك المنطقة، وفي عام 1809 قام أسطول الهند الشرقية، أو بحرية بومباي كما كان يطلق عليها سابقا، بالهجوم على مدينة رأس الخيمة، التي كان يعتقد أنها مصدر القرصنة في مياه الخليج، وبالفعل تمت السيطرة على أسطول الحاكم القواسمي، الذي كان يقوم بأعمال القرصنة في تلك المنطقة.

أسطول شركة الهند الشرقية لم يكتف بتأمين الوضع في مياه الخليج العربي فحسب، بل قام بعمل قواعد له في المنطقة؛ فكانت القاعدة الأولى في جزيرة قشم الإيرانية، لتكون نقطة انطلاق دورياتها التأمينية لمياه الخليج، واستمر وضع تلك الدوريات حتى أقام الأسطول قاعدة له في البحرين في المواقع نفسها التي تتخذها حاليا القوات الأميركية كقاعدة لها في البحرين.

المحاضرة عرضت صورا وخرائط لمدينة الدوحة رسمها الأسطول الهندي (الجزيرة نت)

ويؤكد جيمس أونلي أنه خلال الفترات الأولى لتواجد قوات أسطول الهند الشرقية في مياه الخليج، كانت هناك حاجة ماسة لمعرفة تضاريس تلك المناطق البحرية ومدنها، وبالفعل عملت العديد من مشاريع الخرائط، إلا أنها افتقدت في البداية إلى الدقة، إلى أن جاء مسح عام 1820 الذي استمر ست سنوات بقيادة العميد البحري جورج بارنز بروكس، حيث قدم هذا المسح أول خريطة دقيقة لساحل الجزيرة العربية.

خرائط دقيقة
وتميزت هذه الخريطة بدقتها، سواء من حيث ترتيب المدن في المنطقة، أو أسماء تلك المدن، رغم الأخطاء الهجائية التي رافقتها بسبب عدم الإلمام الكامل باللغة العربية، ولكنها أظهرت -ولأول مرة- دولة قطر على الخريطة بشكل دقيق، بل وكذلك رسمت بعض مظاهر الشواطئ في مدينة الدوحة ومنطقة البدع، تعود إلى عام 1823 خلال تلك الحملة التي كان على رأسها بارنز بروكس.

ومثّل مسح بروكس أول دليل بحري لمنطقة الخليج العربي يمكن أن يستفيد منه أصحاب السفن التجارية، ولكن جرى على هذا الدليل العديد من التعديلات والتوضيحات في حملات لاحقة لرسم الخرائط حتى عام 1872، حيث أضافت تلك الحملات الكثير من التفاصيل واللمسات.

إصرار الأسطول الهندي على رسم خرائط تلك المنطقة، ومعرفة طبيعة مدنها الساحلية وسكانها، يعود إلى الارتباط الكبير بين الهند ومنطقة الخليج اقتصاديا؛ ويكفي الاطلاع على جدول سفن شركة الهند الشرقية إلى المنطقة للتعرف على حجم التجارة الواسع بين الخليج والهند.

وكشف الباحث البريطاني عن جهود كبيرة تبذلها مكتبة قطر الوطنية لتحويل الأرشيف الهندي من خرائط وغيرها إلى خرائط رقمية لحفظها وجعلها متاحة للجمهور، معتبرا أن أكبر مجموعة من السجلات عن تاريخ شرق الجزيرة العربية موجود في الهند؛ نظرا لوجودها في هذه المنطقة قبل توثيق التاريخ، حيث تشير الأدلة التاريخية إلى أن الهنود كانوا موجودين في هذه المنطقة منذ ثمانية آلاف عام.