Saudi Arabia

الخط المغربي.. تاريخ تطور وتنوع وواقع تداخل حضاري

زبيدة الخواتري-الدار البيضاء

يعتبر الخط العربي من الخطوط التي لها بُعد جمالي وتنوع كبير، ويعكس الهوية العربية والإسلامية بحس فني وجمالي راق، بالإضافة لقيمته الروحية والدينية العميقة، حيث ارتبط هذا الخط في الحضارتين العربية والإسلامية بالفنون المعمارية مما جعله من أكثر الخطوط جمالا وتنوعا في العالم.

وفي سياق هذا التطور والتداخل الحضاري، جاء الخط المغربي ليبرز دور المغاربة وإسهامهم في تطويره وإعطائه بعدا وطابعا أغنى الحضارة العربية الإسلامية.

الخط المغربي
وتناول كتاب "الخط المغربي تاريخ وواقع وآفاق" لمؤلفيه محمد المغراوي وعمر أفا، خطوط بلاد المغرب والأندلس، أي تلك الرقعة الجغرافية التي كانت تمتد من صحراء برقة بليبيا إلى نهر الإبرو بالأندلس، والتي تميزت عبر التاريخ بوحدة ذهنية ومذهبية وحضارية، بحسب المؤلفين.

ويعد هذا الخط من بين الخطوط الداخلة في عداد الخط العربي الذي انتشر في المغرب مع انتشار الإسلام منذ القرن الهجري الأول، حيث أقبل الأمازيغ على تعلّمه بموازاة إقبالهم على حفظ القرآن الكريم، ومن ثم استقر الخط الجديد في مدوّناتهم وثقافتهم.

ومن بين الأسباب التي يذكرها المؤلفان لهذا الإقبال عند المغاربة: حماسهم الديني، وارتباط الخط بقداسة القرآن الكريم، ثم الانخراط التلقائي في الثقافة العربية الإسلامية، واستعمال الخط العربي في التحصيل والإدارة والتواصل، إضافة إلى غياب الكتابة المحلية عند سكان شمال أفريقيا عند اتصالهم بالمسلمين، فالحروف الأمازيغية -المسماة اليوم بتيفناغ- كانت قد اندثرت منذ مدة طويلة قبل دخول الإسلام.

ويتابع المؤلفان القول إن الكتابة المغربية بلغت بتوالي القرون ازدهارا عكس طابعها الخاص وقدرتها على استيعاب وتطوير الخطوط القادمة من المشرق العربي، من منظور محلي صارت له ملامحه وأشكاله الخاصة.

تاريخ وخصائص
وكان الخطان الحجازي والكوفي هما الأصل في تطور هذا الخط، حيث أثر الخط الكوفي العراقي في كتابة أهل أفريقيا فتولّد عنه الخط القيرواني الذي نتج عنه أيضا الخط الأفريقي، بينما أثر الخط الكوفي الشامي في الأندلس فظهر الخط الأندلسي.

وقد قسّم المؤلفان مراحل هذا التطور إلى ثلاث: أولها المرحلة القيروانية التي تطور فيها الخط الكوفي وخصوصا الكوفي القيرواني، وثانيها المرحلة الأندلسية التي تطور فيها أيضا الخط الكوفي إلى الخط اللين الدقيق ثم الخط القرطبي.

وأخيرا المرحلة المغربية، فمع انتقال الخط الأندلسي إلى المغرب منذ العصر الموحدي حين تم تطويره، ظهرت ملامح تميزه عن الخط الأندلسي تدريجيا، حتى أصبح يعرف بخط المغاربة أو الخط المغربي، ثم تتابع تحسين الخطوط فصار الخط الكوفي المغربي يتخذ في النقش على المعمار وكتابة آيات القران، واتخذ الخط المبسوط لكتابة المصحف، والخط المجوهر في التآليف والظهائر، والخط المسند في التقاييد (المؤلفات).

وقد أسفر هذا التطوير عن خمسة أنواع ابتداءً من العصر المريني، وهي: الخط الكوفي المغربي، وخط الثلث المغربي، والخط المبسوط، والخط المجوهر، والخط المسند أو الزمامي.

لوحة فنية تمزج الخط العربي بالرسم الفني للخطاط المغربي محمد البندوري (الجزيرة)

كما انصرف المؤلفان إلى سرد تاريخي للخط المغربي بربطه بالدول الحاكمة، ومنها الأدارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويون، إلى عهد الحماية الذي شهد فيه هذا الخط أزمة خانقة، إذ برزت هيمنة اللغة الفرنسية والحرف اللاتيني في التعليم والحياة العامة على حساب الحرف واللغة العربية، ونتيجة لهذا ظهر رد فعل قوي في أعمال الحركة الوطنية تمثل في تلقين اللغة العربية وتعليم الخط العربي للطلاب.

أنواع الخط المغربي
قدّم المؤلفان وصفا مركزا لأنواع الخط المغربي كل على حدة، فالخط الكوفي المغربي خط هندسي بديع يتميز بخطوط مستقيمة وزوايا حادة، وهو من الخطوط التزيينية التي لا تستعمل في الكتابة العادية إلا نادرا، ومن ذلك عناوين السور في بعض المصاحف وزخارف بعض الصناعات التقليدية وبعض أعمال الفن التشكيلي المعاصر.

ويعد الخط المبسوط أكثر الخطوط المغربية راحة للعين -بأحرفه اللينة المستقيمة- وأشهرها، فقد استعمل منذ القديم في كتابة المصاحف والأدعية والصلوات، وعلى أساسه يتم التعليم في الكتاتيب القرآنية.

أما الثلث المغربي فيعرف أيضا "بالمشرقي المتمغرب"، ويمتاز بجمال حروفه وليونتها، وبإمكانياته غير المحدودة على التشكيل، إذ تُكتب به فواتح السور وديباجة بعض الكتب كما يُستعمل في زخرفة المساجد والأضرحة والمدارس العتيقة، ويُستعمل الآن في العناوين الرئيسية أو الداخلية لبعض المجلات. 

وبالنسبة للخط المُجَوهر، فهو دقيق تمتاز حروفه بالصغر والتقارب، ويوحي تناسقها بعقد الجوهر. وانحدر هذا الخطّ من المبسوط، فصار خطَّ الكتابة المعتاد في الحياة العامة بالمغرب خلال القرون المتأخرة، وخصوصا في الرسائل والظهائر السلطانية والطبعات الحجرية، حيث صدر به أكثر من خمسمئة مؤلَّف هي رصيد المطبعة الحجرية، ولا يزال هذا الخط مستعملا بقلّة عند العدول في تحرير عقود النكاح وبعض الوثائق، وقد عُرف بالخط الفاسي.

وآخر الخطوط المغربية خط المسند أو الزِّمامي (مشتق من "الزمام" وهو التقييد والتسجيل)، وهو خط سريع حروفه مائلة إلى اليمين متسلسلة وينحدر من المجوهر.

ويُستعمل خصوصا في التقاييد الشخصية والرسوم العدلية وكنانيش العلماء (كراريسهم)، ولا يُستعمل في الكتب العلمية إلا نادرا، وهو صعب القراءة مقارنة بغيره، ويعرفه العامة باسم "خط العدول". 

ويوجد الخط المدمج، وهو ليس بنوع ولكنه شكل من أشكال الكتابة الاعتيادية السريعة التي تجمع بين مؤثرات خطين مختلفين وتدمج بينهما، مثل المبسوط والمجوهر أو المجوهر والمسند أو المبسوط والمسند، وتدخل ضمنه خطوط بعض المناطق كالخط السوسي والحاحي والدرعي والصحراوي، وأسفر هذا التنوع والغنى في الخط المغربي عن إشعاع كبير في باقي بلدان المغرب العربي.

الخطاطة المغربية سهام كرواض تعتبر الخط المغربي نتاج جهود المغاربة في الحضارة الإسلامية (الجزيرة)

وفي السياق، اعتبرت الخطاطة المغربية سهام كرواض، خريجة شعبة الخط العربي والزخرفة في أكاديمية الفنون التقليدية -للجزيرة نت- بأن أغلب الشعوب الإسلامية كان لها دور في تطوير الخط العربي، كالأندلسيين والمغاربة والمشارقة والأتراك والفرس، وذلك من طرف أساتذة ومبدعين وصولا إلى وقتنا الحاضر.

واعتبرت كرواض أن إحداث جائزة محمد السادس لفن الخط المغربي أعطته قيمة إضافية، حيث برزت من خلالها كفاءات فنية، ثم تلاها إحداث شعبة فن الخط بأكاديمية الفنون التقليدية بالدار البيضاء، وكذلك مدرسة الصهريج للخط بفاس.

وفي نفس الإطار اعتبرت أن اختيارها للخط المغربي كان للإشعار "بأهمية تراثنا الخطي والحفاظ عليه عن طريق تشجيع الأطفال -خطاطي المستقبل- على الارتواء من منابعه والتشبع بجماليته".

وتضيف "قمت بتكوين أطفال وشباب في الخط المغربي بالمكتبة الوسائطية والمدرسة القرآنية بمؤسسة مسجد الحسن الثاني، بالإضافة إلى تأطير (تنظيم) العديد من الورشات في مدارس عمومية وخاصة وملتقيات فنية وكذا تنظيم معارض خطية".

أما الأكاديمي المختص بالخط العربي الدكتور محمد البندوري، فقد أكد للجزيرة نت أن المغرب ينعم بعدد هائل من الخطاطين الأكفاء الذين ينيرون الساحة الخطية والحرفية بروائع إنتاجاتهم التي تتنوع بين الخط المشرقي بأنواعه المتعددة وبين الخط المغربي بأنواعه المختلفة.

محمد البندوري يرى أن بعض الخطاطين المغاربة عملوا على إنتاج مواد فنية بصور مختلفة (الجزيرة)

ويضيف البندوري أن بعض الخطاطين المغاربة المعاصرين عملوا على إنتاج مواد فنية بصور مختلفة من الخط، وأشكال تتوافق مع التشكيل البصري وتتيح الوصول إلى المعنى وإنتاج بلاغة حرفية بفهم موضوعي.