Morocco
This article was added by the user Anna. TheWorldNews is not responsible for the content of the platform.

الخياري يقارب التلقيح الإجباري ضد "كورونا" في ظل احترام حقوق الإنسان‬

اعتبر شكيب الخياري، الناشط الحقوقي، أن الكثير من المواقف التي تعارض إجبارية جواز التلقيح استنادا إلى معايير حقوق الإنسان تتبنى نموذجا طوبويا لها وتقوّل الاتفاقيات الدولية بهذا الصدد ما لم تقله.

وشدد الخياري، في مقال توصلت به هسبريس، على أن حالة الطوارئ الصحية تمنح للدول حق عدم الالتزام بجملة من الحقوق وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، موضحا أن من ضمنها الحق في التنقل والحق في حماية الحياة الخاصة.

وأكد الناشط الحقوقي على ضرورة إعمال “التضامن المجتمعي”، الذي يقضي بفرض التلقيح حماية للصحة الفردية والعامة.

المقال كما توصلت به جريدة هسبريس الإلكترونية:

تعالت عدد من الأصوات المعارضة لمضمون البلاغ الحكومي الأخير المنشور عبر وسائل الإعلام والذي أعلن من خلاله عن إلزامية الإدلاء بجواز التلقيح الخاص بكوفيد 19 من أجل التمكن من الولوج إلى الإدارات العمومية وشبه العمومية والخاصة والمؤسسات الفندقية والسياحية والمطاعم والمقاهي والفضاءات المغلقة والمحلات التجارية وقاعات الرياضة والحمامات، ابتداء من الخميس الماضي.

وقد استند عدد من المعارضين للقرار في تعليل موقفهم على أن التدابير التي أعلن عنها تخالف الدستور وتنتهك حقوق الإنسان من خلال انتهاك الحق في التنقل والحق في الحياة الخاصة (الحق في عدم التلقيح)؛ لكن يبدو جليا أن هذه الفئة لا تبذل جهدا في الشرح عبر تبيان الأساس القانوني والحقوقي الذي يعضد موقفها. كما أن كثيرا من الآراء المعبر عنها في هذا الصدد لا تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الخاصة والاستثنائية لحالة الطوارئ، كما أنها تحمل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ما لا تحتمل وتقولها ما لم تقله.

وسبق لمنظمة الصحة العالمية، يوم الخميس 30 يناير 2020، أن أعلنت أن تفشي فيروس كورونا المستجد يشكل حالة طوارئ صحية عالمية؛ ما يعني أن جملة من الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان يمكن أن تخضع لعدم التقيد بها بسبب هذه الحالة وفق شروط معينة حددتها المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. ومن ضمن هذه الحقوق الحق في التنقل، والحق في حماية الحياة الخاصة.

وجاء في التعليق العام رقم 29 اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة أنه يجب على الدولة أن تتصرف في حدود أحكام قانونها الدستوري وغيرها من الأحكام المنظمة لإعلان الطوارئ ولممارسة السلطات الاستثنائية. هذه الأخيرة تهم، في حالة المغرب، المرسوم بقانون رقم 2.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، الصادر وفق أحكام الدستور، والذي على أساسه تم إعلان التدابير المذكورة سابقا.

إن الادعاء بأن فرض جواز التلقيح للولوج إلى فضاءات معينة هو مس بالحياة الخاصة للأفراد، لكونه إجراء ينطوي في جوهره على فرض التلقيح بالإكراه وبالتالي فهو ينتهك حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا، أمر غير صحيح. ولعل ما أقرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سيكون مسعفا في فهم هذا الجانب.

ففي هذا الصدد، عرضت، في أبريل الماضي، قضايا على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (الطلب رقم 47621/13 وخمسة طلبات أخرى) ضد جمهورية التشيك، تتعلق بالتلقيح الإجباري لأطفال على اعتبار أنه يشكل انتهاكا للمادة 8 (الحق في احترام الحياة الخاصة) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تنص على أن “1- لكل إنسان حق احترام حياته الخاصة والعائلية ومسكنه ومراسلاته. 2- لا يجوز للسلطة العامة أن تتعرض لممارسة هذا الحق إلا وفقا للقانون وبما تمليه الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي وسلامة الجمهور أو الرخاء الاقتصادي للمجتمع، أو حفظ النظام ومنع الجريمة، أو حماية الصحة العامة والآداب، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم”.

إن القانون في جمهورية التشيك يفرض تلقيح المقيمين بشكل دائم ولمدد طويلة محددة. وبالنسبة إلى الأطفال فإن أولياء أمورهم ملزمون بالتقيد بهذا الالتزام تحت طائلة غرامة مالية. كما أن المؤسسات التي تستقبل هذه الفئة، سواء تعلق الأمر بالرياض أو المدارس، فهي ملزمة بعدم قبول غير الملقحين منهم إلا الذين يتوفرون على شهادة تثبت حصولهم على المناعة بأية وسيلة أخرى أو أن هناك موانع دائمة لا تسمح لهم بتلقي التلقيح.

وفي هذا الصدد، قررت المحكمة في حكم نهائي، بأغلبية 16 صوتا مقابل صوت واحد، أنه لا يوجد أي انتهاك للمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وجاء في تعليلها أن سياسة التلقيح التي تبنتها الجمهورية التشيكية تسعى إلى تحقيق الأهداف المشروعة المتمثلة في حماية الصحة وحقوق الآخرين، إذ إنها تحمي كل أولئك الذين يتلقون اللقاحات المعنية وأولئك الذين لا يمكن تطعيمهم لأسباب طبية والذين يعتمدون على المناعة الجماعية للحماية من الأمراض المعدية الخطيرة المعنية. وبالتالي، فإن الدولة تتمتع بهامش كبير من التقدير في هذا السياق الذي أملته الضرورة في مجتمع ديمقراطي، خاصة أن ذلك يحظى بدعم قوي من السلطات الطبية المختصة على اعتبار أنه يشكل استجابة للحاجة الاجتماعية الملحة لحماية الصحة الفردية والعامة من الأمراض المعنية ولتجنبها.

واعتبرت المحكمة أن المصالح الفضلى للأطفال يجب أن تسود في جميع القرارات التي تتعلق بهم، بحيث يجب أن يكون الهدف من التلقيح هو ضمان حمايتهم من الأمراض الخطيرة من خلال التلقيح أو المناعة الجماعية. ولذلك، فهي تلاحظ أن السياسة الصحية لدولة التشيك تتماشى مع المصالح الفضلى للأطفال.

وفيما يتعلق بالغرامة الإدارية التي فرضت على أولياء الأطفال، فقد اعتبرت المحكمة أنها لم تكن مفرطة وأنه على الرغم من أن رفض الأطفال المتقدمين للالتحاق بدار الحضانة يعني بالنسبة إليهم تفويت فرصة لتنمية شخصيتهم، فإنه كان تدبيرا وقائيا وليس عقابيا وكانت آثاره محدودة في الزمن.

لقد بنت المحكمة حكمها على علة غاية في الأهمية، ويتعلق الأمر بـ”التضامن الاجتماعي”، حيث جاء في تعليلها أنه “على الرغم من أن المسلم به هو أن جعل التطعيم التزاما قانونيا يمكن أن يثير أسئلة حساسة، فإنه لا ينبغي أن يقتصر ذلك على وجهة نظر أولئك الذين يعارضون الالتزام بالتلقيح؛ ولكن يجب النظر إليه من وجهة نظر أهمية التضامن الاجتماعي. الهدف من الالتزام المعني هو حماية صحة جميع أفراد المجتمع، ولا سيما أولئك المعرضين بشكل خاص لأمراض معينة حيث يتم تشجيع بقية السكان على تحمل مخاطر أقل من خلال التلقيح”.

وفي ملف آخر، أكدت المحكمة ذاتها، في 8 يناير 2009 (الطلب 3270/09)، أنه في حال حدوث عدد ضئيل من الحوادث الجسيمة في سياق حملة تلقيح يكون هدفها الوحيد هو حماية صحة المجتمع من خلال القضاء على الأمراض المعدية، فإنه لا يمكن إلقاء اللوم على الدولة على اعتبار أن ذلك يعتبر فشلا في حماية السلامة الجسدية للأفراد.

إن الظروف التي يمر منها العالم بسبب جائحة كوفيد 19 هي ظروف استثنائية لا يمكن تجاوزها باستعمال أدوات قانونية وتنظيمية عادية. ولهذا، وجد عدم التقيد ببعض حقوق الإنسان وفق العهد الأممي المذكور. ويندرج ضمن ذلك أيضا، في حالة المغرب، منح مرسوم بقانون حالة الطوارئ للحكومة الحق في إعلان التدابير المتعلقة بهذه الحالة بمجرد بلاغات إعلامية مع معاقبة المخالفين.

ولهذا، فإنه سيكون من المهم فتح نقاش وطني حول مفهوم “التضامن المجتمعي” في علاقته بإلزامية التلقيح بعيدا عن الفهم غير السليم لحقوق الإنسان الغارق في الطوباوية.