عدنان الظاهر 13 آب 2020

جرنوبل وميناء بيروت

حدثان غيّرا مسارات وسياقات التأريخ كلٌّ في زمانه ومكانه وظروفه الخاصة.

أولاً : جرنوبل 1986

الحادث الأول هو إنفجار محطة توليد الطاقة الكهربائية ـ الذرية في مدينة جرنوبل في أوكرانيا التي كانت جزءاً من الإتحاد السوفياتي السابق الذي فكّكه الرئيس ميخائيل كورباتشوف ومن ثمَّ انتهى به المطاف مقيماً في الولايات المتحدة الأمريكية كمواطن أمريكي ! حصل ذلك الإنفجار في عام 1986 فكان عاملاً آخرَ كبيراً في تسريع عمليات تخريب وتفكيك الإتحاد السوفياتي والأقطار الإشتراكية وحل حلف وارشو كما هو معروف. من وجهة نظري وقراءتي للتأريخ ومواظبتي لعالم السياسة لديَّ حِدس قوي أنَّ كارثة جرنوبل كانت عملاً تخريبياً مُدبّراً ومخططاً له بدقة وعناية وتمَّ التنفيذ وجاءت النتائج حسبما أرادت الجهات التي خططت له ونفّذته : هزّة كبيرة للدولة أضعفتها وضعضعتها وأساءت لهيبتها على الصعيد الدولي وكانت كأنها مقدمة لما سيحصل على يدي كل من كرباتشوف المتأمرك والسكير الأرعن باريس يلتسن.

صحيح … لم يستقل كورباتشوف وحكومته كما لم يطلب ذلك أحدٌ من بين المواطنين أو الجهات القضائية أو الأمنية أو الجيش الأحمر لكنَّ الحادث تسبب في وقوع شروخ عميقة في هيبة ومناعة وحصانة الدولة والحزب الحاكم فضلاً عن عدد ضحايا الإنفجار من قتلى وجرحى ومعوّقين ومصابين بالإشعاعات المختلفة وممن حملوا هذه الأمراض والأعراض وأورثوها لأجيال أخرى تماماً كما حصل مع ضحايا قنبلتي هيروشيما وناكازاكي الذريتين الأمريكيتين في شهر آب عام 1945.

ثانياً : مرفأ بيروت / الرابع من شهر آب 2020

لم يكنْ إنفجار مرفأ بيروت إنفجاراً ذريّاً ولم يخلّف سُحباً تحمل إشعاعات ذريّة تلوّث الفضاء وتبقى فيه لفترات تقصر وتطول لكنه كان إنفجار كمية كبيرة ( 2750 طناً ) من ملح نترات الأمونيوم لأسباب طال التكهّن بها فهذا الملح غير قابل للإنفجار إلاّ إذا فجّره أحدٌ أو عاملُ تفجيرٍ كيميائي مُساعد وهنا ـ وكما كان هناك في جرنوبل ـ لديَّ شك قوي جداً أنَّ ما حصل في مرفأ بيروت إنما كان عملاً تخريبيّاً مُدبّراً ومؤامرة عالية التخطيط والتنفيذ البطئ دقيقة في تفاصيلها وسرأسرارها والرأس المُنفّذ هو التاجر صاحب شحنة نترات

الأمونيوم فهل التقته السلطات القضائية اللبنانية والجهات الأخرى المختصة وحققت معه كما فعلت بعض وسائل الإعلام مع قائد السفينة الروسي أو الأوكراييني الناقلة لهذه الحمولة ؟ تاجر هذه الحمولة هو سر الأسرار ورأس المؤامرة على لبنان وأعداء لبنان معروفون وطالما اعتدوا عليه وغزوه واحتلوا وما زالوا أراضيه وحاصروا العاصمة بيروت صيف عام 1982 وحصل الذي حصل من مجازر وانتهاكات منها مجزرة صبرا وشاتيلا.

ما أسبابُ لجوء السفينة الحاملة لشحنة نترات الأمونيوم إلى ميناء بيروت بالذات؟ قد يقولُ قائلٌ : لتفريغ شحنة معدّات ثقيلة لا تتحملها السفينة وللتزوّد بالوقود … حَسَناً … لماذا ترك صاحب الشحنة طاقم قيادتها بدون أجور ولا طعام وشراب ؟ لِمَ لمْ يُسدد الأجور المترتبة على بقاء السفينة في مرفأ بيروت ؟ هذا هو السؤال : جرت الأمور حسب المخطط المرسوم القاضي بإفتعال أزمة مالية بين صاحب الشحنة ومرفأ بيروت … التاجر عاجز عن التسديد … بحارة السفينة محتجزون في السفينة لا مال لهم ولا طعام …. فما الحل إذاً ؟ أنْ يتنازل التاجررأس المؤامرة عن شحنة نترات الأمونيوم ويتم حجزها وتخزينها في أحد مخازن مرفأ بيروت ! هل كان هناك تواطؤ مقصود ومدبّر بين التاجر وعنصر أو عناصر من المسؤولين في مرفأ بيروت ؟ وتتم فصول الرواية المهزلة ـ الكارثة : ترك مالك السفينة سفينته تغرق وتنازل عنها وأُسدل الستارُ وضاعت آثار الجريمة في مياه البحار وقد خلّفت ما خلّفت من دمار في الميناء ومحيط الميناء ومئات القتلى وآلاف الجرحى والمشرّدين بدون مأوى فمن المسؤول ؟

حصل في بيروت في اليوم الرابع من شهر آب 2020 ما حصل في هيروشيما في اليوم السادس من شهر آب 1945 بسلاحين مختلفين أحدهما سلاح ذرّي أما الآخر فسلاح كيميائي ! في هيروشيما إنتقمت أمريكا من اليابان لأن هذه دمّرت الأسطول البحري الأمريكي الذي كان راسياً في ميناء بيرل هاربر وأنهت حالة الحرب التي كانت قائمة بينها [ ومعها حلفاؤها ] وبين اليابان التي أعلنت إستسلامها المطلق بدون قيدٍ أو شروط.

ـ هل أنهى إنفجار مرفأ بيروت حرباً كانت قائمة بين لبنان وطرف آخروهل استسلم لبنان ؟ لا ريبَ … هزَّ الإنفجارُ بيروتَ وسبب لها خسائر بشرية ومادية كبيرة وأزمة حكومية أدّت إلى سقوطها وهذا أمر لم يحصل في حالة جرنوبل.

الحرب الخفية التي كانت قائمة بين لبنان وإسرائيل ستظل قائمة خفيّة ناعمة حيناً وساخنة شَرِسة أحياناً أخرى ما دام لبنان قوياً منيعاً مستقلاً ولا تتوقف إلاّ إذا سقط لبنان في أحضان أمريكا وحليفتها إسرائيل وما تفجير مرفأ بيروت إلاّ حلقة قوية في مسلسل مُخطط إسقاط لبنان.

بعد ثلاثة أعوام من حادثة جرنوبل ( 1986 ـ 1989 ) جرى تفكيك الإتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية وبيع كل ما قد أنجزت ثورة أكتوبر الإشتراكية منذُ عام 1917 حتى سيطرة السكير المتأمرك الأرعن يلتسن على زمام الأمور رئيساً لجمهورية روسيا الإتحادية وقيصراً أوحداً في الكرملن لا يكاد يفيق من سكره حتى أطاح به السيد بوتين ممثلاً للجيش والمخابرات الروسية وما عمَّ بين الروس من سخط ونقمة وإحباط ونفاد صبر.

هذه قراءتي [ ولغيري حق نقضها ] لما كان قد حدث سواء في جرنوبل أو ميناء بيروت وأرى بينهما شبهاً كبيراً وأنَّ الجهات التي خططت لتفجير محطة توليد الطاقة الكهروـ ذريّة هناك هي نفسها أو أحد أذرعها التي خططت ونفّذت مسرحية شحنة ملح نترات الأمونيوم ومن ثمَّ تفجير ميناء بيروت الذي أسقط الحكومة اللبنانية في غضون بِضعةِ أيام وكانت أساساً حكومة ضعيفة تترنح تحت أعباء مشاكل كثيرة متراكمة سياسية ـ إقتصادية ـ إجتماعية ـ أمنية ـ طائفية.