سلام موحان – بغداد

في محاضرته التي ألقاها في مجمع الأبرار ببغداد بحضور جمع غفير من الأكاديميين وعلماء الدين والمثقفين؛ تحدث الدكتور علي المؤمن عن خطورة القراءات البتراء الناقصة لشخصية الإمام الحسين وسيرته و نهضته ونهجه، وقال: إن هذه القراءات هي قراءات أحادية تختطف شخصية الإمام الحسين وتصادر نهضته وتختزل عنوانه في صفة واحدة، ولاتعطي صورة متكاملة عن الحسين وعنوانه الديني الشرعي اللصيق بعقيدة الإسلام وشريعته. كما أنها تحول دون الفهم الحقيقي لشخصية الإمام وسيرته، وهو الفهم المتمثل في القراءة المتكاملة الشاملة التي يتم من خلالها استنباط المواقف النظرية والعملية، أو العقدية والفكرية والتكليف الشرعي العملي.
وأستعرض الدكتور المؤمن أربعة قراءات مبتورة ناقصة؛ تحمل اسقاطات شخصانية وفئوية ونفسية وايديولوجية.
القراءة الأولى هي القراءة السلطانية الأموية، وهي أول قراءة بتراء أحادية لحركة الإمام الحسين، وقد أصدرها وعاظ السلطة الأموية ومشايخ بلاط يزيد بن معاوية، وبدأ الإعلان عنها بالتزامن مع طلب البيعة ليزيد. وتصف هذه القراءة الإمام الحسين بالمتمرد والخارج على إمام زمانه، ومثير الفتنة في مجتمع المسلمين، وبذلك فهو يستحق القتل.
وأكد الدكتور المؤمن بأن تطبيقات هذه القراءة لاتزال قائمة في الايديولوجيا الوهابية السعودية بكل تفاصيلها، وهي تستهدف كل معارض لسلطة الحاكم، وتعد الخروج على ولي الأمر حرام؛ وإن كان مجاهراً بالفاسق والقاتل والكافر.
القراءة البتراء الثانية هي القراءة الطقوسية، وهي تختزل سيرة الإمام الحسين وعنوانه ونهضته بمفردة التضحية والاستشهاد. ولذلك فهي تعبر عن نفسها بطقوس الحزن والجزع على استشهاد الإمام الحسين وتضحيته، وتعد من يمارس هذه الطقوس بأنه حسيني؛ بصرف النظر عن المعايير العقدية والفقهية.
ويعتقد الدكتور علي المؤمن بأن خطورة اختزال نهضة الإمام الحسين الدينية العقدية الإصلاحية الهادفة الى تحكيم العقيدة وأحكام الإسلام في حياة الأمة؛ بممارسة الطقوس فقط؛ لاتقل عن خطورة القراءة السلطانية الأموية؛ لأنها تغيب حقيقة نهجه الديني العقدي الرسالي، وتصادر أهدافه الإلهية.
القراءة البتراء الثالثة هي القراءة الثورية، وهي التي تنظر الى الإمام الحسين بأنه رجل شجاع ثار على السلطة الفاسدة. وهنا تساءل الدكتور المؤمن: هل ثار الحسين على الفساد والطغيان فقط ؟! أو أنه ثار من أجل إصلاح أمة محمد في البعد العقدي والشرعي والسياسي؛ أي من أجل العقيدة الدينية، ومن أجل تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. ولذلك فإن من يريد التأسي بالحسين الثائر عليه أن يعرف بأن الحسين ثار من أجل إعادة دور العقيدة الإسلامية في حياة الأمة، وثار من أجل تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بكل تفاصيلها في حياة الفرد والمجتمع والسلطة؛ و من خلال ذلك يتحقق هدف الإمام الحسين في إقامة الحكم الإسلامي كما نزلت معالمه على الرسول الأعظم محمد.
فإذا كان من يريد الثورة وفق النهج الحسيني؛ عليه أن لا يأخذ جانباً واحداً مبتوراً من نهضة الإمام الحسين، ويطبقه بطريقة عشوائية ودون ضوابط شرعية؛ كما ذكر السيد المؤمن.
أما القراءة البتراء الرابعة فهي القراءة الماركسية القائمة على مفهوم الصراع الطبقي، والتي تعد سلطة يزيد تجسيداً للبرجوازية الأموية وامتداد للرأسمالية القرشية. بينما يمثل الحسين امتداداً لطبقة الكادحين. و يذهب الدكتور المؤمن الى أن هذه القراءة مفرغة من أي بعد ديني ومعنوي، و تتعارض مع بديهيات العنوان الديني للإمام الحسين ودوافع نهضته الدينية المحظة. وهي شبيهة بالقراءة الماركسية لحركة أبي ذر الغفاري؛ إذ تعده مؤسس الإشتراكية في الإسلام أو الإشتراكية الإسلامية. وقد ظهرت هذه القراءة لاقناع البسطاء في مجتمعاتنا الإسلامية التي ترفض الفكر الماركسي؛ ليس دينياً وعقدياً وحسب؛ بل رفضاً اجتماعياً؛ بالنظر للتضاد الحاد بين الايديولوجيا الدينية الإسلامية والايديولوجيا الإلحادية الماركسية اللينينية.
وخاطب الدكتور علي المؤمن أصحاب القراءات المبتورة الناقصة بقوله: من حقك أن تكون لك قراءاتك الخاصة للحسين، و أن تنظر اليه بأنه ثائر وحسب، أو مضحي وحسب، ومصلح إنساني وحسب، و لكن لاتقل إن هذا هو الحسين وحسب. فإذا قلت هذا هو الحسين ولاغير؛ فأنت تختطفه وتزيف حقيقته وحقيقة نهضته.
وأكد السيد المؤمن بأنه ليس من العقيدة والشرع أن يكتفي المكلف المتدين بالقراءات المبتورة، ويبني عليها موقفه الشرعي. فيقول أضحي وأستشهد كما استشهد الحسين، ولكنه لا ينظر الى سيرة الإمام الحسين وخلفيات نهضته ومبانيها وأهدافها. أو بقول آخر بأنني أكتفي بممارسة طقوس الحب والحزن والجزع على الحسين، ولكنه يغفل ما ينبغي أن يكون عليه كنهضوي حسيني.
وعند هذه النقطة يصل الدكتور المؤمن الى القراءة الشاملة المتكاملة لشخصية الإمام الحسين، وهي القراءة الحقيقية التي تستنطق عنوانه ووظيفته كإنسان وإمام وقائد، و نهجه النهضوي الإصلاحي الثوري الذي هو امتداد لنهج الإسلام الأصيل الذي أسسه رسول الله ومن بعده أمير المؤمنين علي و الإمام الحسن؛ بوصفه خليفة رسول الله الثالث، وهو مصدر لنهج الأئمة التسعة من ولده.
وأضاف الدكتور علي المؤمن بأن الإمام الحسين لايتحرك إلّا في إطار وظيفته الشرعية وعنوانه الديني. ولذلك فإن شخصيته ونهجه وحركته ونهضته كلها مخرجات لهذا العنوان الوظيفي الديني. وأن نهج الإمام الحسين ليس إبداعاً وخلقاً؛ بل هو حلقة من من سلسلة القيادة والإمامة الدينية والزمنية؛ فهو وارث مسيرة التوحيد منذ عهد آدم؛ برموزها وخطها العقائدي كما تصفه «زيارة وارث» المأثورة عن الإمام الصادق. ويعرف الإمام الحسين بن علي نفسه بقوله: (( إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، بنا فتح الله وبنا ختم)).
وختم السيد علي المؤمن حديثه بالقول: إن إحياء ذكرى الإمام الحسين عبر الشعائر والطقوس والممارسات الشرعية المتعارفة، وكذلك النظر الى شخصية الإمام الحسين بصفته ثائراً على الطغيان والفساد، ومضحياً وشهيداً، ومصلحاً إنسانياً؛ كلها أمور صحيحة، ولكن ينبغي أن لانختزل بها شخصية الحسين ونهضته وأهدافه؛ بل تكون جميعها أجزاء لا تتجزأ من شخصيته وسيرته.