فرض إعلان الولايات المُتحدة الأميركية عن الانسحاب من سوريا معطيات مختلفة تماماً في ما يتعلق بشق واسع من الملف السوري (ميدانياً وسياسياً)، وسط تساؤلات لم تنقطع عن القوى المنوط بها ملء ما قد يسببه الانسحاب الأميركي من فراغ، في ظل أطروحات، بشأن «المنطقة الآمنة» شمالي سوريا طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأيّدتها أنقرة- المستفيدة من التواجد في تلك المنطقة حماية لمصالحها في مواجهة قوات حماية الشعب الكردية- بينما رفضتها الحكومة السورية الاي اعتبرت أن أية محاولة للمساس بوحدة الأراضي السورية عدوان واحتلال، فيما ترى موسكو ضرورة فرض دمشق سيطرتها على شمالي البلاد بوصف ذلك «الحل الوحيد والأمثل»، فيما يأتي ذلك بموازاة اللغط المثار حول ملف «إدلب» بشكل خاص، وما تشهده من تطورات.

ومن هنا تُسلط الأنظار على أهمية القمة المرتقبة غداً الأربعاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، والتي تناقش ملفين رئيسين، حددهما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف- في تصريحات إعلامية له منتصف الأسبوع الماضي- وهما (ملف إدلب، والمنطقة العازلة شمالي سوريا). وقد أكد لافروف أيضاً أن بلاده سوف تعمل على تقييم المبادرة التركية، بشأن المنطقة الآمنة في ضوء تطورات الوضع الراهن في سوريا عموماً.

وتعتبر هذه القمة من أهم وأعقد القمم بين الرئيسين الروسي والتركي منذ بدء التفاهم على مؤتمرات أستانة في نهاية 2016؛ نظراً لحساسية الموضوعين الذين يتم مناقشتهما بين الطرفين (ملف إدلب وملف شرق الفرات والتباين الكبير في المواقف حيال ذلك)، على حد تعبير القيادي بالمجلس الوطني الكردي السوري فؤاد عليكو، في حديثه مع «البيان» عبر الهاتف.

وبخصوص إدلب، وفيما الرئيس بوتين يُصر على الحسم العسكري في إدلب بخاصة بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على معظم جغرافيا إدلب وقسم من شمال حماة وغرب حلب، وبينما لا يختلف الاثنان (تركيا وروسيا) في تعريفهما للنصرة بأنها منظمة إرهابية تابعة للقاعدة الأم، فإن أردوغان «سيحاول تأجيل ملف إدلب، والتعامل بطريقة مختلفة عن رؤية بوتين، وذلك بالاعتماد على الفصائل العسكرية الموجودة، ومؤازرة الجيش التركي عوضاً عن التدخل العسكري الروسي- السوري الإيراني خوفاً من تدفق خزان اللاجئين الموجودين في إدلب إلى تركيا والبالغ ما يقارب أربعة ملايين نسمة».

ويعتبر ملف «المنطقة الآمنة» من الملفات الجدلية حالياً على وقع التباين الواسع في المواقف وكذا اختلاف التفسيرات بشأنها، فبينما تؤيدها واشنطن وتركيا وتعلن قوات سوريا الديمقراطية دعمها لها بشرط وجود «ضمانات دولية»، فإن كلاً من موسكو ودمشق ترفضان كلية تلك المنطقة.

ملف شرق الفرات، بحسب عليكو، من أكثر الملفات أهمية وحساسية بالنسبة لتركيا، علماً بأن وجهة نظر الطرفين متباينة أيضاً في هذا الملف، إذ يرغب الروس في بسط سيطرة النظام على هذه المنطقة وتأمين حدود تركيا أمنياً من قبل الجيش السوري واعتبار ذلك حقاً طبيعيا لدمشق، لكن هذا الطرح يلقى معارضة قوية من قبل أميركا وتركيا معاً لأسباب عديدة.