logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo logo
star Bookmark: Tag Tag Tag Tag Tag
Iraq

قناطر: في ما يشبه الأمل

 طالب عبد العزيز

الريحُ شرقيةٌ في تشرين الأول، والبحر حلم هائج في الروح. يأتي بالسمك النيئ الى العتبة، ثم يعود بالسمك المالح الى الماء ثانيةً. منذ أمس، يأتي ويعود.. ياه،

ما بالُ شعرك تجعّد هكذا؟ ما بال يدك تنزلق في كفي فلا تمسك بي ؟ ما بال القواقع تنسرحُ على كتفيك وتمضي؟ أحدهم ترك قميصه يافطةً على السفينة ومضى الى ليله حالماً، هذا الخشب بزيت كبد الحوت، وبزفرة الروبيان والهوامير العظيمة، والبحارة بصريون صخّابون .

جُماع خطوي كانت معه، وجُماع موجه كان معي، منذ نصف قرن ويزيد، ونحن نسير جنباً الى جنب، نتبادل الرضا والغضب، الشجر والبلل والتراب والمقاعد الرخيصة. هو يبتدأ من صدور نهر الخورة ولا ينتهي عند تمثال السياب الشاعر، لكنني لا اشعر بوجوده، شط العرب صديقي، منذ سنة لم تحملني قدماي إليه، لكنني، أتيته البارحة، كان الليل في أوله، وكانت السفن الراسية على شاطئيه أكثر من المبحرة فيه. لا، لم تكن الريحُ باردةً كما يظن البعض، هي بزفرة أقل، وباعة المرطبات يتخذون الرصيف بما يشبه الاكشاك ، البلدية تغض طرفها، ولا يعيرُ أحدٌ ذراعه لمهزوم هنا، لكن رائحةً ماء غادر تشي بغير ذلك. ما أنا بالحزين، لكنْ، تسوؤني رسمة الشرطي يرفع يده محيياً، ولا أجد معنى في العبارة القاتلة على جدار المؤسسة الدينية، لذا، لست أحمق لسؤال أحدهم .

زورق اكاديمية البحار في مكانه، والحبل ذاته، ما زال في عروة المرسى، ثلاثة قوارب صغيرة الجأها الموج الى بدنه، فهي هامدة اليه، نائمة فيه، ولا أحد من بحارته يُرى في القريب، الماء مخطوط ضوء، وعامل المطعم يسوي دكانته، يعيد ترتيب اسياخ اللحم على الموقد، وهذا بائع كتب النسيان يدعوني لقراءة السطر الاخير. وفي جوف المصطبة هناك من راح يحدثني عن ساحة عبد الكريم قاسم، وعن رسوم شبان خرجوا من أحياء فقيرة، أنبتها أقرانٌ لهم، هتفوا طويلاً ضد الحياة، التي باتت بلا معنى، قبل أن يطيش حولهم الرصاص.

لم تنتشل إدارة الميناء السفن الغريقة منذ أربعين سنة، وهكذا ، ظلت الحرب عالقة باذهان المارة، الذين تناوبوا الذهاب والاياب من الضفة هذه الى تلك. ومع ان البلدية انشأت ومن الحديد جسراً جديداً إلا أن العابرين ما زالوا يفضلون الجسر الخشب، شيء من رطوبة وزنخ في مماشيه تحرضهم على الثورة. ولهذا، لا يتقي صيادو السمك الشمس أول الفجر، لكنهم يقيمون مظلاتهم على البدن الندي، ومن ما لا تدخره المسافات يتخذون الطريق اليه. سمك وصنارات وافواه قطط الى جوارهم، وعلى كل قصبة عصفور آمن. لكن العلب الطافية تفسد المشهد في اعينهم. لم انتقِ من حبل المرسى مشنقةً للبقاء، ولم تمنحني لحظةُ كمالها أغنيةً عن المنفى.هذا الساحل القصير سيقودني الى البيت، أنا لا احلم بسلة الورد على الطاولة، ولا افتش في يدي عن قصبة تدلني الى السرير، كانت زوجتي جالسة على العتبة، هي بانتظاري دائماً، كانت أمي من قبل قد انتظرتني طويلاً. على العتبة ذاتها، زوجتي وأبنائي ينتظرونني، كل مساء، أنا خارج وعائد منذ نصق قرن ويزيد. 

يقول صاحب لي: أنتَ أدنى الى الحائط الآن، وشرقُك أدنى اليك من الماء والشمس، فما لك ، كلما جئتك حالماً أنبتَ راية مدماة ؟ فأقول: كل شرق قريب من نهرك قاتل. وحجراً حجراً، شجرةً شجرةً يقضم الموتُ الطريقَ التي يسلكها الموجُ إلينا. لقد أرخى المؤازرون حبال القارب الذي سيأخذنا الى الجزيرة اليابسة. وحدها السماءُ ستتقلبُ في الحجارةَ التي تركنا أمالنا تحتها، أيها النهر، يا أخي: ستصطفي الريحُ القصبةَ التي ترافقك الى هناك.

Themes
ICO