د. رضا العطار
قرأت الرسائل المفتوحة التي وجهها د. كاظم حبيب، في هذا العام وفي الاعوام المنصرمة، الى المرجعية الدينية في النجف بتاريخ 14، 8 ، 2019 قراءة متمعنة، فوجدتها تطفح بالمعلومات، غاية في الاهمية، مثيرة للجدل، تعكس واقعنا المرير، اني اثمن جهوده و مواقفه الوطنية المشرًفة، لترسيخ دعائم الديمقراطية والمجتمع المدني، خاصة واني كنت شاهدا على تلك الاحداث التي ذكرها د. حبيب، في كربلاء طيلة العقود التي امضيتها في العراق. ان الاقتراحات البناءة التي طرحها، تصب في مصلحة الشعب العراقي، تعالج مشاكله الحالية. يجب الاخذ بها. انها الضمانة الوحيدة في ايصال العراق الى بر الامان.

وفي سياق الموضوع نفسه، اود ان اسرد للصديق د. كاظم حبيب الحكاية التالية :
خلال تسعينيات القرن الماضي كنت ادير قسم العيادة الخارجية لطبابة العيون في المستشفى الخيري التي انشأها التجار العراقيين المهجرين في طهران. وفي تلك الفترة بالذات، صدر قانون منع التطبير في ايران، لا اتذكر السنة، وبعد تاريخ الصدور بزمن قصير، حلً شهر محرم.

وفي غياب العقل، تجمع زهاء 400 عراقي مهجر فجر يوم عاشوراء سرًا في مكان خفي، مرتدين الاكفان وحزوا رؤوسهم بالسيوف اي (طبًروا)، لكن سرعان ما انكشف امرهم من قبل المخابرات الايرانية واعتقلوا. وشاع الخبر بان السلطة ستقوم باخراجهم الى العراق. وهذا يعني اعدامهم هناك. فأضطربت العوائل العراقية وعمها الخوف والهلع الشديد، فاتجهن وهن في عبائتن السوداء، بالمئات، نحو مقر المرشد الاعلى
السيد علي الخامنئي. وقد ملئن الدنيا بالصياح والضجيج، نائحات باكيات، يلطمن الخدود، يتضرعن العفو والرحمة !
وانتهت الحادثة بعد استحصال التعهد الخطي من المخالفين بعدم التكرار.

يقول الدكتور علي شريعتي في كتابه (هكذا تكلم شريعتي ) :
لو استعرضنا تاريخ الدولة الصفوية، وجدنا بان الشاه اسماعيل الصفوي يبادر الى ارسال وزيره (وزير الشعائر الحسينية) مع عدد من رجال الدين الى اوربا الشرقية، في الذكرى التاريخية لمصائب الارثودوكس وشهدائهم القسسة، الذين قُتلوا على ايدي اباطرة الرومان في سالف الزمان. بغية الوقوف والاطلاع على مراسيم وطقوس هؤلاء القوم.
كانت هذه الطقوس تشمل النعش الرمزي (تشبيه) والضرب بالسلاسل على الظهور وحز الرؤوس بالسيف (تطبير) مع استخدام الآلات الموسيقية، وقد قام الشاه اسماعيل الصفوي بأدخال الطقوس المسيحية هذه الى بلاد فارس الاسلامية وطبقها بحذافيرها. ولم يمضي إلا سنوات معدودات حتى عمًت هذه الطقوس، المدن الفارسية كلها، وبدأ الناس يألفونها، وكأنها موروثات قومية فارسية !

كان العراقيون يومذاك يمارسون طقوس شهر محرم، داخل البيوت وفي المساجد والحسينيات حصرا، بكل مقبولية واتزان، لكن ما ان حل القرن الثامن عشر حتى ادخل اتراك مدينة تبريز الايرانية هذه الطقوس الدخيلة الى كربلاء يوم عاشوارء ومارسوها في الطرقات بعيدا عن بيوت العبادة، فكانت غريبة على العراقيين، وقد استوحشوها في بادئ الامر، لكنهم تطبًعوا عليها تدريجيا مع مرور الزمن، ينطلقون الى الشوارع والمحلات العامة، يمارسون هذه الطقوس، وهي طقوس مسيحية الاصل، بكل همًة وحماس مضيفين اليها من عندياتهم. !

من هنا نستعلم بان اهداف الدولة الصفوية لم تقتصر على الاهتمام بمراقد الشيعة في العتبات المقدسة في العراق فحسب، انما تعًدى ذلك الى التأثير السيًئ على عقول العامة من الشعب العراقي عبر ما ادخلوه من خرافات وعادات مذهبية غير اسلامية في اصولها، وهي في جوهرها تتنافى مع التقدم الحضاري وتتضادد معه.

(1) اضافة من كاتب السطور.
* مقتبس من كتاب (هكذا تكلم شريعتي) لمؤلفه د. على شريعتي، دار الكلمة للنشر الطبعة الثالثة، بناية السلام، الحمراء بيروت 1987 .