يُحكى أن دولة قد أُسقط نظام حكمها بالقوة ودمرت أجهزتها عن بكرة أبيها , وتشردت كوادرها وتبعثرت , فجيئ بأناس من خارجها لحكمها وتأسيس نظام حكم يحقق مصالح القوى التي تورطت بما حصل بتلك البلاد , فاختارت مَن يكون على رأس الحكومة , وعندما دعاه ممثلها أو حاكمها المفوض في البلاد وأخبره بقرار إختياره , إنتفض في مكانه مندهشا ومتحيرا وغير مصدق ,
وقال: كيف أحكم؟!

فأجابه السيد صاحب القرار: سنعلّمك الحُكم!!

فتأمل الجواب متعجبا , ومتلهفا , فهو الذي سيكون رقما كبيرا بعد أن كان نكرة , أو رقما على يسار جميع الأرقام.

وأضاف سيده المُطاع : أعني سنحكمك لتحكم!!

فهز رأسه وأذعن لحلاوة المنصب وما سيدره عليه من نِعم الله , وحسب ما حصل من تقدير ربه الذي يعبده بكرة وأصيلا , ويتحزب في كيانات سياسية لمَرضاته وتأكيد تعاليمه وقيمه التي وضعها في دين حنيف.

ومن أول يوم أثبت بأنه الصادق الوفي الأمين على مصالح الآخرين , والقادر على تنفيذها مهما كلف الأمر من خسائر ودمارات وتداعيات في البلاد , ومضى بعنفوان الأبطال الأشاوس الميامين الذين ينفذون كل شيئ بإخلاص وإتفانٍ وإذعان , فلا بد من الوفاء للذين أسهموا في تنصيبه وتعزيزه ومؤازرته ودعمه لكي ينفذ المرسوم بأصدق ما يجب أن يكون.

ومضى صاحبنا يعمل بما يُلقن به , ويجد كل صباح على مكتبه جدول أعمال يومه , وما سيقوله ويقرره ويعبر عنه في خطبه , وما يتوعد به , حتى المفردات التي عليه أن يستخدمها , يجدها أمامه في عبارات مدروسة التأثير والمقاصد , فتحول إلى أداة تتحرك وفقا لمقتضيات المصالح والأهداف المطلوبة.

ومع الأيام صارت عنده جحافل جرارة من الأجهزة الأمنية والإستخيارية والعسكرية والخاصة , والمقربة والعائلية والفئوية والحزبية والمجهولة ذات المهمات الغامضة الفتاكة , وكلها مدربة ومسلحة وملقنة في معسكرات أسياده الأشداء الحريصين على مصالحهم وأهدافهم.

والعجب أن صاحبنا قد أصابه داء الكرسي , فأدمن على الجلوس عليه والتمتع بمعطياته التي تزيده إلتصاقا وإدمانا وتمسك به , حتى تعاظمت أوهامه وتنامت هذياناته , وتسيدت نفسه الأمارة بالسوء على كيانه , فتوحل بقرارات وتفاعلات دامية تسببت في زيادة الخراب والدمار والعناء للناس الأبرياء المبتلين بحكمه , أو بما يمثله من حكم.

وتناسى الآخرين الذين سبقوه وسقطوا في نهايات أليمة مروعة التداعيات , ذلك أن الكراسي تصيب الجالسين عليها بالخرف المبكر جدا , والذي من علاماته فقدان الذاكرة القريبة والآنية , فحالما يجلسون على الكراسي تتعطل قدرات الذاكرة على التسجيل , فكأن كل ما يجري يُكتب فوق الماء , وفي أحسن الأحوال على وجه الرمال المرهونة بالعواصف.

تلك محنة السكارى بخمور الكراسي والمآسي , والذين ينكرون قيمهم ويمحقون أخلاقهم , ويتوحشون في مدينة الغاب الشرسة المكشرة الأنياب , والمتأهبة للصولات بمخالب فتاكة النوايا والتطلعات.

فدعهم يآثامهم يتطوحون , وكأنهم يعرفون أن لا محالة من الإشتراك بمصير السابقين , وتلك عجيبة من عجائب المتسلطين!!

د-صادق السامرائي