* د. رضا العطار

من الاخبار المليئة بالدلالة والتنبيه خبر ذكرته احدى المجلات الامريكية. ففي احدى المؤسسات التي تؤوي العميان وتعلمهم، استطاع طبيب جراح ان يقوم بعملية لفتاة عمياء فقدت بصرها بعد ولادتها بفترة وجيزة، قضت سنوات عمرها في ظلام لم تر النور قط. ونجحت العملية وشرعت الفتاة تتحسس هذا العالم وتستكشفه وهو عالم كانت تجهله الا عن طريق اللمس والشم. وخطر ببال احد المعلمين ان يسألها عن اعجب واغرب ما رأته في هذه الدنيا الجديدة، عقب زوال العمى وانبلاج النور.
فاجابت الفتاة: ( ان اعجب واغرب ما رأيت هو الوجه البشري، وهو منظر قد احزنني فقد كنت وانا عمياء اتخيله جميلا، وكنت اظن انه يشرق برؤية الجمال في السماء والبحر والجبال، والوجوه البشرية الاخرى. ولكنني وجدت غير ذلك وجدت الوجه البشري حزينا، حزين جدا.

ودلالة هذا الخبر اننا فقدنا طرب الحياة، وان الهموم التهمت فرحتنا وركبت عقولنا التي اكسبت وجوهنا هذا الحزن الذي رأته هذه الفتاة، لانها جديدة في الرؤية، اما نحن فلم نعد نرى هذا الحزن، لاننا الًفناه. بل اننا لا نكاد نرى غيره حتى نقارن ونستنتج.
وقد ذكرت الفتاة جمال السماء والبحر والجبل، بل جمال الوجه البشري ايضا، وهي توبخنا بهذا القول، لان هذا الجمال الذي يغمر الدنيا، يشيع في نفوسنا مشاعر الغبطة والسرور، لكننا نعمي عنه ونفكر في هموم ترهقنا وتحزننا بل تستعبدنا.

كان داروين العظيم يقول: (اني ما زلت اذكر تلك اللحظة التي تأملت فيها العين البشرية، فقد اعترتني رعدة لا انساها).
اجل هذه العدسة الصغيرة التي تنقل الى رؤسنا آلاف العوالم المشتتة في هذا الكون، وترسم في خلاياها صور السحب والطيور والاشجار والزهور وصور الاطفال في مرحهم والنساء في روعتهن، هذه العين البشرية هب اعجب ما في هذا الكون، أليست الشمس بكل ما فيها من عظمة وجلال سوى شيء غشبم خام بالمقارنة اليها.

هذه العين البشرية هي معجزة هذا العالم بل هذا الكون كله، وذلك الشاب الذي يتهاون في الاستمتاع بها ولا يتأمل الجمال في الطبيعة او البشر، لن يجد ما يعيضه عنها ولوجمع مال قارون. ان امارات الحزن التي رأته الفتاة عندما ابصرت بدلا من اشراق الفرح الذي كان يجب ان يعم وجوهنا جميعا في طرب الحياة ومرح الصحة، لان مال قارون سيحمله على الهموم والشكوك والمخاوف وما يجعل الحزن اصيلا في قلبه منعكسا على وجهه.

*مقتبس من كتاب طريق المجد للشباب للعلامة سلامة موسى.