الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا – الهند mail.comgmerajjnu@

في يوم الاثنين الموافق الثّاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، أشرقت الدنيا بميلاد سيّد الخلق أجمعين، فكان مولد الرسول عليه الف ألف الصلوات والتسليم قدرا على قدر الزمان، وإطارا جامعا للمكان، وهدفا نيبلا للسعادة الإنسانية.

كان ميلاد خير البريه نديا ثريا ذو نفحات عطريه على مكه وشبه الجزيرة العربية وعلى كافة الأمصار المتاخمة لها والبشرية جمعاء. بزغت شمس الهداية وأشرقت العالم بمولد من أرسله الله رحمة للعالمين وبعثه إلى خلقه، متمماً لمكارم الأخلاق حتى صار الدين الحنيف الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم برداً وسلاماً على الكون والبشرية جمعاء.

طلعت شمس النبوة المنيرة وتبددت الظلمة لأنها كانت تحمل رسالة السعادة إلى الإنسانية كلها. وهذه الرسالة العظيمة الخالدة للمحبة والعفو والعدالة والمساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان، أحدثت تحولاً خطيرا وهائلا في مسيرة ومستقبل وحياة مجتمع وشعوب الجزيرة العربية.

وهذه الرسالة تدعو إلى التقارب والتعاون والحوار على كلمةٍ سواء، وتريد أن تبني المجتمع البشري الذي تسوده قيم الإيمان، الخيّرة الرحبة النبيلة التي توحّد ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتبشر ولا تنفر، وتعلي شأن الفضيلة، وتصون الكرامة الإنسانية وتحفظ الدم والعرض والمال، وتمنع الظلم والعدوان والإكراه والسلب والنهب والإيذاء بكل أنواعه وأشكاله.

قامت هذه الرسالة الخالدة النبوية ببناء المجتمع المتراحم القوي المتماسك، الذي تسوده قيم الرحمة والمودة والتسامح والتغافر، والتعاون على البرّ والتقوى، والتعاون على نبذ العدوان والإثم، والحضّ على إفشاء

السلام، وفرض المساواة حقاً لجميع الناس في أصل الخلقة، وفي المرامةالإنسانية والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين الناس.

قام الرسول صلى الله عليه وسلم يإرساء قواعد التعاون بين شعوب العالم وأمم الأرض والحوار بين الثقافات والحضارات على تحقيق المصلحة العامة المشتركة التي تؤدي إلى إقامة السلم العالمي، وحفظ الحياة الإنسانية وصيانة الكون وموارده، ورعاية جميع المخلوقات وحقها في الحياة والحرية والعيش بأمن ورخاء.

إن رسولنا الكريم سيد الخلق كان مثالا في الرحمة والمعاملة الطيبة، وهذا ما كان يمتاز به بصفات حميدة قبل الدعوة حيث أنه عرف بالصدق والأمانة، وكان يحث في دعوته على التسامح ونشر الحب والسلام بين الناس، وأنه لا إكراه في الدين، هو الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

فالرسول الكريم بلّغ الرسالة كما وصلته بكل أمانة، وفرض على أتباعه الشعائر التي تقربهم إلى الله تعالى، وشرّع لمجتمعه كتطبيق أول للرسالة مع الواقع، وهنا كانت القفزة النوعية، إذ وضع أسساً لم تصلها الإنسانية إلا بعد مئات السنين، وأولها المساواة، فأصبح الناس جميعاً سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وهذه التقوى تنعكس في العمل الصالح، وأثبت مصداقية الرسالة التي جاءت بها كأنها بمثابة الختم الذي يحمل توقيع خالق هذا الكون.

فهذه الرسالة الخالدة ستبقى على مدى كل العصور والأزمان والدهوربما تحمله من قيم وخلق قيوم ورسالتها الإنسانية كشمس ساطعة في مشارق الأرض ومغاربها، وستبقى ذكرى عيد مولده خالدة مادامت البشرية باقية على وجه الأرض. إن الرسالة التي جاء بها رسولنا هي رسالة نبيلة تصلح لكل عصر وزمان ولجميع البشر بعض النظر عن اختلاف ألوانهم واختلاف لغاتهم وتباين قومياتهم.

إن مولد النبي إيذاناً ببدء عهدٍ جديد وتمهيداً لنزول الرسالة السماوية الخالدة إلى كافة الناس. إن الأحرى بنا اليوم ونحن نستذكر ولادة سيد الكائنات ان نلتزم بكل المعاني والقيم التي نادى بها، واليوم الذي ولد فيه النبي محمد عليه الصلاة السلام، كان بداية النور للإنسانية كلها والرسالة للبشرية التي تدعو إلى العفو المحبة والسلام والتسامح ونشر المودة والوئام.